آسفي مدينة الخزف… حين تكشف الفيضانات هشاشة المدن في زمن التغيرات المناخية

أرض بلادي – اسماء بومليحة 

 

لم تكن آسفي يومًا مدينة عادية في الذاكرة المغربية، بل شكلت عبر قرون عاصمة رمزية لصناعة الخزف، وحاضنة لتراث حرفي وإنساني منحها مكانة خاصة في الخريطة الثقافية الوطنية. غير أن هذه المدينة العريقة وجدت نفسها، في هذا اليوم العصيب، في مواجهة مأساة إنسانية مؤلمة، بعدما ضربتها فيضانات مفاجئة خلّفت خسائر مادية جسيمة، وأودت بأرواح بشرية، في مشهد لا يليق بمدينة بتاريخ آسفي ولا بساكنتها.

إن ما شهدته آسفي لا يمكن قراءته كحادث عرضي أو ظرفي، بل يندرج ضمن سياق وطني ودولي أوسع، باتت فيه التغيرات المناخية واقعًا ملموسًا، يضرب المدن بشكل غير متكافئ، ويكشف هشاشة البنيات التحتية، وضعف سياسات الوقاية والتخطيط الحضري، خاصة في المدن المتوسطة التي ظلت لعقود خارج أولويات التنمية.

لقد تحولت الأمطار، التي يفترض أن تكون مصدر حياة، إلى عامل دمار، بسبب اختلالات تراكمت عبر الزمن، من ضعف شبكات تصريف المياه، إلى غياب رؤية استباقية تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية المتسارعة. وهو ما يطرح، بإلحاح، سؤال الجاهزية المحلية والوطنية في مواجهة المخاطر البيئية، ومدى إدماج البعد المناخي في السياسات العمومية.

ورغم ما راكمه المغرب من التزامات دولية وخيارات استراتيجية في مجال البيئة والطاقات المتجددة، فإن التحدي الحقيقي يظل في تنزيل هذه الرؤية على المستوى الترابي، عبر حماية المدن وساكنتها، وضمان عدالة مجالية تجعل الحق في السلامة والعيش الكريم حقًا مشتركًا لا امتيازًا.

إن فاجعة آسفي اليوم ليست فقط لحظة حزن ومواساة، بل إنذار وطني يدعو إلى مراجعة شاملة لسياسات التهيئة الحضرية، وإعادة الاعتبار للمدن التاريخية، التي لا يجب أن تؤدي ثمن التغيرات المناخية والإهمال في آن واحد.

آسفي، مدينة الخزف والذاكرة الحية، لا يليق بها الضياع، ولا أن تُترك لمواجهة الكوارث وحدها. إنها تستحق رؤية تنموية مندمجة، تحمي الإنسان، وتصون التراث، وتواجه تحديات المناخ بعقلانية ومسؤولية، لأن كرامة المدن من كرامة الوطن.