*أحمد بلفاطمي والتجربة المغربية في الفعل النقابي-السياسي… قراءة إبستمولوجية في تشكُّل القيادة، وتحولات المعنى العمومي.

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يقول أنطونيو غرامشي:

«إنّ القيادة الحقّة لا تُستمدّ من القدرة على إصدار الأوامر، وإنما من امتلاك البصيرة التي تُعيد ترتيب الوعي الجمعي، وتحوّل التنظيم من أداة ضغطٍ عابرة إلى بنيةٍ أخلاقية تُنتج المعنى، وتؤسس للاستمرارية… حيث تُبنى الأفكار تُبنى السلطة، وحيث يُهذَّب الوعي تُستعاد الكرامة».

 

تُمثّل التجربة المغربية في مجال الفعل النقابي والسياسي حقلاً مركّباً تتقاطع فيه الاعتبارات الاجتماعية بالرهانات الاقتصادية، وتتجاور فيه ديناميات المطالبة مع منطق الدولة، وتتجاور الذاكرة النضالية مع إكراهات التحوّل. وفي هذا السياق المتشابك، يبرز اسم أحمد بلفاطمي كعلامة تحليلية تستدعي قراءةً تتجاوز الوصف السطحي للمواقع والمسؤوليات، نحو تفكيك أنماط الاشتغال، وبنية الرؤية، ومنطق إنتاج الشرعية داخل الحقل العمومي.

 

إنّ مقاربة هذه الشخصية لا تستقيم عبر عدّ المناصب أو استحضار التواريخ، وإنما عبر مساءلة الكيفية التي يتحوّل بها الفعل النقابي من ممارسة احتجاجية إلى نسقٍ معرفي وتنظيمي، ومن ردّ فعلٍ ظرفي إلى مشروعٍ ممتدّ، يراكم الأثر ويعيد تعريف العلاقة بين الفاعل المهني والمؤسسة، وبين المجتمع والدولة، وبين السياسة بوصفها إدارة للصراع والسياسة باعتبارها هندسة للمعنى.

 

يشتغل بلفاطمي داخل الفضاء النقابي من منطلقٍ يزاوج بين الوعي الاجتماعي والصرامة التنظيمية، حيث لا تُختزل النقابة في منبرٍ للصراخ الرمزي، وإنما تُفهم كجهازٍ وساطيّ، يُعيد ترتيب المصالح، ويؤطّر المطالب، ويُحوّل التذمّر الخام إلى خطابٍ قابل للتفاوض، ومطالبٍ قابلة للإدماج داخل منطق السياسات العمومية. هذا التحوّل في الرؤية لا يُعدّ تفصيلاً تقنياً، بل هو انتقال عميق في فلسفة العمل النقابي، انتقال من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة الاقتراح، ومن منطق الاستنزاف إلى منطق البناء.

 

وتزداد هذه المقاربة وضوحاً عند التمعّن في اهتمامه بقضايا الحرفيين والمهنيين والمقاولات الصغرى، وهي فئات غالباً ما تتحرّك على هامش النقاشات الكبرى، وتُختزل في تمثيلات نمطية تُفرغها من تعقيدها البنيوي. إنّ الدفاع عن هذه الفئات، في تصوّر بلفاطمي، لا يقوم على خطاب الشفقة أو الاستعطاف، وإنما على منطق التمكين، وبناء الكفايات، وامتلاك أدوات الفهم الاقتصادي والقانوني، بما يسمح لها بالتحوّل من موضوع للسياسات إلى فاعلٍ فيها.

 

ومن هنا، يكتسب التكوين السوسيو-نقابي مكانة مركزية في مشروعه، باعتباره آلية لإعادة إنتاج الوعي المهني، وصناعة نخب نقابية قادرة على قراءة الواقع بلغة الأرقام والقوانين، لا بلغة الشعارات وحدها. فالتكوين، في هذا السياق، ليس ترفاً معرفياً، وإنما شرطٌ تأسيسي لإعادة توزيع القوة داخل الحقل الاجتماعي، وإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع، وبين الإدارة والمهنيين.

 

أما في البعد السياسي، فإنّ انخراط بلفاطمي داخل حزب الاستقلال لا يُقرأ بوصفه انتقالاً من النقابة إلى الحزب، وإنما باعتباره امتداداً وظيفياً للفعل النقابي داخل الفضاء المؤسسي. فالحزب، في هذا التصوّر، ليس بديلاً عن النقابة، ولا مظلّة أيديولوجية لتبريرها، بل قناة لتوسيع دائرة التأثير، وربط المطلب الاجتماعي بالقرار السياسي، وإدخال الصوت المهني إلى فضاءات التشريع والتخطيط.

 

هذا التداخل بين النقابي والسياسي يطرح سؤالاً إشكالياً في التجربة المغربية: كيف يمكن الحفاظ على استقلالية الفعل النقابي دون عزله عن الفعل السياسي؟ وكيف يمكن تحويل الانتماء الحزبي من عبءٍ رمزي إلى رافعة مؤسسية تخدم القضايا المهنية؟ إنّ تجربة بلفاطمي تقدّم جواباً عملياً على هذا السؤال، جواباً يقوم على التكامل لا التماهي، وعلى التفاعل لا الذوبان.

 

ومن زاوية تحليلية أعمق، يمكن النظر إلى هذه التجربة باعتبارها تجسيداً لما يمكن تسميته بـ القيادة المعرفية؛ قيادة لا تُؤسَّس على الكاريزما الخطابية وحدها، وإنما على القدرة على إنتاج التصوّرات، وصياغة البدائل، وبناء شبكات الثقة داخل التنظيم وخارجه. فالقائد، في هذا النموذج، لا يكتفي بإدارة الصراع، بل يعمل على إعادة تعريف شروطه، وحدود الممكن فيه، وأفقه الاستراتيجي.

 

إنّ هذا النمط من القيادة يكتسب أهمية خاصة في سياق مغربي يتّسم بتسارع التحوّلات الاقتصادية، وتنامي الهشاشة المهنية، واتساع رقعة الاقتصاد غير المهيكل، وهي تحدّيات تفرض على النقابة أن تعيد النظر في أدواتها، وخطابها، وتحالفاتها. وهنا، يظهر بلفاطمي كفاعلٍ يسعى إلى تحديث العقل النقابي دون القطيعة مع جذوره، وإلى تجديد الخطاب دون تفريغه من مضمونه الاجتماعي.

 

ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لهذه التجربة، حيث يتحوّل الفعل النقابي إلى رافعة لإعادة الاعتبار للقيمة الأخلاقية للعمل، وللكرامة المهنية بوصفها مكوّناً أساسياً من مكوّنات العدالة الاجتماعية. فالعمل، في هذا المنظور، ليس مجرد وسيلة للعيش، بل فضاء لتحقيق الذات، وبناء الانتماء، والمشاركة في الإنتاج الرمزي للمجتمع.

 

ومن هذا المنطلق، فإنّ تجربة أحمد بلفاطمي تفتح أفقاً نظرياً وعملياً لمساءلة مستقبل النقابة في المغرب: هل تظل رهينة منطق المطالبة الظرفية، أم تتحوّل إلى فاعلٍ استراتيجي في صياغة السياسات العمومية؟ هل تبقى أسيرة الانقسام القطاعي، أم تنفتح على مقاربة أفقية تُعيد بناء التضامن المهني؟ وهل تستطيع الانتقال من ثقافة الصدام إلى ثقافة التفاوض المنتج؟

 

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تنفصل عن طبيعة القيادات التي تتصدّر المشهد، وعن قدرتها على الجمع بين الوعي التاريخي والجرأة التجديدية. وفي هذا السياق، تغدو تجربة بلفاطمي مادةً خصبة للتحليل، لا بوصفها نموذجاً مثالياً مكتمل الأركان، وإنما باعتبارها مساراً مفتوحاً على الإمكان، ومساحة لاختبار حدود الإصلاح من داخل البنى القائمة.

 

وفي المحصلة، يمكن القول إنّ أحمد بلفاطمي لا يقدّم نفسه كزعيمٍ عابر، بل كفاعلٍ يسعى إلى إعادة هندسة العلاقة بين النقابة والسياسة، بين المطلب والقرار، بين الفرد والتنظيم. تجربةٌ تُراكم بهدوء، وتشتغل في العمق، وتراهن على الزمن الطويل، حيث تُقاس الجدوى بما يُترك من أثر، لا بما يُقال من شعارات… وحيث يُصاغ المستقبل عبر الوعي، لا عبر الانفعال.