إقليم جرادة: نحو تخليق الحياة السياسية وتجميع الكفاءات من أجل تنمية مستدامة

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يُعدّ إقليم جرادة أحد الأقاليم المغربية ذات الحمولة النضالية والتاريخ الاجتماعي الغني، حيث راكم عبر عقود إسهامات وطنية مهمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وانطلاقًا من هذا الرصيد التاريخي، وبناءً على ما يزخر به الإقليم من مقدرات مادية ولا مادية، يبرز اليوم نقاش جاد حول ضرورة تخليق الحياة السياسية وتجميع الكفاءات المحلية القادرة على بلورة مشروع تنموي متكامل يستجيب لتطلعات الساكنة.
ويأتي هذا التصور في سياق زمني عرف تحولات سياسية واجتماعية بارزة، كان أبرزها الحركات الاحتجاجية التي عبّرت عن مطالب مجتمعية مشروعة، وعلى رأسها حراك جرادة، الذي شكّل لحظة فارقة في تاريخ الإقليم الحديث. فقد وحّد هذا الحراك مختلف فئات الساكنة حول ملف مطلبي موحد، عكس عمق الإشكالات التي يعانيها الإقليم، وأثبت في الوقت نفسه قدرة المجتمع المحلي على الإبداع السياسي السلمي ومواجهة مظاهر الفساد، والدفع نحو تخليق الممارسة السياسية على المستوى الإقليمي.
ورغم ما حملته هذه التجربة من سمو في الأهداف والشعارات، إلا أنها لم تخلُ من نواقص على مستوى الدراسة والتحليل، كما أفرزت، في مرحلة لاحقة، إشكالات مرتبطة بتركيبة الفاعل السياسي والمدني، حيث أفضت بعض الممارسات إلى تشكيل نخب هجينة تفتقر في كثير من الأحيان إلى كفاءات التدبير والنجاعة، وهو ما انعكس سلبًا على فعالية السياسات المحلية وعلى مسار التنمية بالإقليم.
وفي هذا السياق، يبرز التوجه نحو نقل النضال من الشارع إلى المؤسسات المنتخبة، باعتباره آلية من آليات الإبداع السياسي، تسمح بالتعبير المنظم عن حاجيات الساكنة، سواء تعلق الأمر بالبديل الاقتصادي، أو محاربة الفساد، أو تخفيف الأعباء المرتبطة بالماء والكهرباء. كما يتيح هذا المسار إمكانات أكبر للتعاون مع السلطات المحلية من أجل بلورة حلول عملية ومستدامة.
غير أن تخليق الحياة السياسية يظل مسارًا تراكميًا غير مكتمل، يخضع للتقييم والتقويم المستمرين. فالتجربة، وإن نجحت مبدئيًا في الحد من هيمنة المال والفساد الانتخابي، إلا أنها لم تتمكن من اجتثاث هذه الظواهر بشكل نهائي، ما يستدعي وقفة جماعية لتقييم المسؤوليات المشتركة، والدفع بعجلة الإصلاح السياسي والمدني والنقابي.
ويؤكد هذا التصور أن إنعاش الحياة السياسية بإقليم جرادة يمر عبر مستويين أساسيين: أولهما، البحث عن آليات فعالة لتخليق الممارسة السياسية وتفعيلها؛ وثانيهما، تجديد النخب المحلية وتجميعها على أساس الكفاءة والمصداقية والقدرة على إنتاج حلول تنموية واقعية. ويأتي ذلك في ظل ما يتوفر عليه الإقليم من ثروات حقيقية في مجالات الطاقة والمعادن والفلاحة والسياحة والثقافة، والتي تستدعي تثمينًا واستثمارًا إيجابيًا ينسجم مع المفهوم الجديد للتنمية المجالية المندمجة.
كما يدعو هذا الطرح إلى ترسيخ ثقافة البناء والمبادرة والتنافس البرامجي بين مختلف الفاعلين، والقطع مع منطق النقد السلبي والتواصل المشحون والممارسات التي تُفرغ العمل السياسي من محتواه. فالحاجة اليوم ملحّة إلى حوار راقٍ وتواصل مسؤول، قائم على التفكير الجماعي وتغليب المصلحة العامة، بعيدًا عن منطق الوصاية وتضخم الذات.
وفي الختام، تبقى هذه الأرضية تصورًا مفتوحًا وقابلًا للتطوير والتحيين، منفتحًا على جميع المتدخلين، من مؤسساتيين وغير مؤسساتيين، وفاعلين سياسيين ومدنيين واجتماعيين، إضافة إلى الشباب الرقمي. هدفها الأساس هو الإسهام في بلورة مسار تنموي مستدام وشامل، يعيد لإقليم جرادة مكانته ويستجيب لانتظارات ساكنته.
يحيى تيفاوي