بقلم: نصيرة بنيوال – جريدة أرض بلادي
في الفضاء الأكاديمي لمدينة وجدة، وعبر الامتداد الجغرافي والثقافي لجهة الشرق، لا تظهر البروفيسورة بثينة حساني كمجرد رقم في معادلة التعليم العالي، بل كقامة فكرية استثنائية صاغت من مهنتها رسالة، ومن علمها وطنا. هي الأستاذة بجامعة محمد الأول التي لم تحبس فكرها خلف جدران المدرجات، بل جعلت من كلية الآداب والعلوم الإنسانية منصة لانطلاق الوعي نحو المجتمع، حافرة اسمها كواحدة من الوجوه التي تمنح الجامعة المغربية عمقها الإنساني وهيبتها العلمية.
من ضفاف “السين” إلى “وجدة”: تكوين عابر للحدود
تحمل البروفيسورة بثينة جينات معرفية صقلتها في أعرق الجامعات الدولية، فهي خريجة جامعة باريس ديكارت – السوربون . هناك، في قلب العاصمة الفرنسية، لم تكتفِ بتحصيل الدرجات العلمية، بل تشربت الفكر التنويري والمنهجية الرصينة التي تميز المدرسة الفرنسية الكلاسيكية. عادت إلى المغرب وهي تحمل “عدّة معرفية” جعلتها قادرة على تشريح القضايا الاجتماعية بعين الخبيرة، ومعالجتها بروح المثقفة العضوية التي ترى في العلم أداة للتغيير لا مجرد ترف ذهني.
كاريزما الحضور.. حين يتحدث الإنجاز
تنفرد البروفيسورة بثينة بكاريزما هادئة ووقار يفرض نفسه دون ضجيج ؛ هي تؤمن بأن الأثر الحقيقي يقاس بمدى التغيير الذي نحدثه في حياة الآخرين. يتجلى هذا بوضوح في تقلدها منصب الكاتبة العامة لفرع وجدة للجمعية الوطنية لنساء المغرب. تحت هذه المظلة العريقة التي تحظى بالرعاية الملكية السامية، تحولت بثينة إلى “بوصلة” للأمل؛ حيث تشرف على برامج استراتيجية لتمكين المرأة، ومواكبة النساء في وضعية هشاشة، خاصة الناجيات من العنف. إنها لا تكتفي بالدعم القانوني أو النفسي، بل ترسم لهن مسارات للكرامة والتمكين الاقتصادي، مجسدة المعنى الأسمى للقيادة النسائية المسؤولة.
بوصلة الوالد : مدرسة القيم الصامتة
خلف كل نجاح عظيم، جذور ضاربة في الوفاء. بالنسبة للبروفيسورة بثينة، يظل والدها (رحمه الله و طيب ثراه) هو المعلم الأول والمنارة التي لا تنطفئ. لم يكن تعليمه لها مجرد نصائح عابرة، بل كان “فلسفة عيش” قوامها الكرامة ونبل العطاء. منه تعلمت أن القيم لا تُلقن بالخطب، بل تورث بالممارسة، وأن أبهى صور الإنسانية هي تلك التي تقدم في الخفاء. واليوم، تواصل مسيرتها وكأنها تسدد دينا أخلاقيا لتلك التنشئة، محولة إرث والدها إلى طاقة إيجابية تسري في مفاصل العمل الجمعوي والأكاديمي.
مهندسة الظل وصمام الأمان
لقب “مهندسة الظل” يليق بها تماما؛ فهي تعمل بصمت، تبني الجسور، وتزرع بذور الأمل في نفوس طلبتها وفي قلوب النساء اللواتي يجدن فيها السند. إنها صمام أمان للقيم في زمن تلاشت فيه الكثير من الثوابت، حيث تقدم نموذجا للمرأة المغربية التي توازن ببراعة مذهلة بين صرامة الأكاديمية ودفء العطاء التطوعي.
علم ينير وإنسانية تداوي
إن البروفيسورة بثينة حساني ليست مجرد أستاذة تسكن الذاكرة العلمية لوجدة، بل هي رمز للإخلاص الذي لا يمحوه الزمن. امرأة حملت أمانة العلم من أرقى الجامعات، وأمانة الأخلاق من بيت أصيل، لتسكب هذا المزيج في خدمة وطنها. هي مثال للعالِم الذي لا يكتفي بالنظر إلى النجوم، بل ينزل ليضيء عتمة الطرقات، مانحا للأمل وجها أكاديميا راقيا، وللتطوع روحا تسمو بالروح والوطن.









