الحماية الاجتماعية بالمغرب: دعم مباشر برؤية مستدامة وتمويل متنوع

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

أطلق المغرب ورشًا وطنيًا واسعًا لتعميم الحماية الاجتماعية، جعله في صدارة أولوياته الاستراتيجية، باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز التماسك الاجتماعي وصون كرامة الفئات الهشة. ويُعدّ الدعم الاجتماعي المباشر حجر الزاوية في هذا الإصلاح، لما يحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية تستهدف تقليص الهشاشة وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.

ولتأمين استمرارية هذا الورش، اعتمدت الحكومة مجموعة من الآليات المالية، في مقدمتها إحداث صندوق موحد لدعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي، يهدف إلى تجميع وترشيد الاعتمادات التي كانت موزعة سابقًا على عدة برامج اجتماعية. وقد شمل هذا الصندوق مخصصات الأرامل، وبرنامج «تيسير»، ونظام «راميد»، وصندوق التكافل العائلي، ما ساهم في رفع نجاعة التدخل العمومي وتحقيق انسجام أكبر في السياسات الاجتماعية.

ولا يقتصر تمويل هذا النظام على إعادة هيكلة الموارد السابقة فقط، بل تم تعزيزها بمصادر تمويل جديدة ومبتكرة، من بينها المساهمة الاجتماعية للتضامن المفروضة على أرباح ومداخيل الشركات، وعائدات الضريبة الداخلية على بعض المنتجات كالتبغ والعجلات المطاطية، إضافة إلى الموارد المتأتية من عقود التأمين والرسوم القضائية.

كما تم إقرار مساهمات استثنائية على الممتلكات والأصول الموجودة بالخارج ابتداءً من سنة 2024، إلى جانب فرض مساهمة جديدة على أرباح مؤسسات ألعاب الحظ بموجب قانون المالية لسنة 2025. ويسهم هذا التنوع في الموارد في تحصين تمويل المنظومة على المدى الطويل، والتقليص من الاعتماد الحصري على الاعتمادات الميزانياتية التقليدية.

ويستند التوازن المالي لهذا النظام كذلك إلى التحسن الملحوظ في وضعية المالية العمومية، حيث بلغت المداخيل الجبائية العادية سنة 2024 نحو 313 مليار درهم، مقابل 275 مليار درهم في سنة 2023، مسجلة نموًا بنسبة 13,8 في المائة. وقد انعكس هذا الأداء إيجابًا على موارد صندوق الدعم، التي ارتفعت بنسبة 59,5 في المائة، منتقلة من 15,24 مليار درهم سنة 2023 إلى حوالي 24,75 مليار درهم سنة 2024.

ويستهدف الدعم الاجتماعي المباشر بالأساس الأسر في وضعية هشاشة، بما في ذلك العائلات التي تضم أطفالًا في سن التمدرس، والأشخاص في وضعية إعاقة، والمواليد الجدد، إضافة إلى الأسر الفقيرة التي لا يتابع أبناؤها الدراسة. وتتراوح قيمة الدعم الشهري بين 500 وأكثر من 1500 درهم حسب تركيبة الأسرة، بهدف تغطية ما يقارب 60 في المائة من السكان الذين لم يكونوا يستفيدون سابقًا من أي تعويضات عائلية.

وبالتوازي مع ذلك، تتواصل إصلاحات نظام المقاصة، حيث يتم توجيه الوفورات الناتجة عن ترشيد الدعم نحو تمويل آليات الدعم الاجتماعي المباشر وتعزيز نظام التأمين الصحي الإجباري «أمو تضامن».

وتؤكد الحكومة أن هذا الإصلاح ليس إجراءً ظرفيًا، بل خيارًا هيكليًا طويل الأمد، يقوم على عقلنة النفقات، وتعبئة موارد مالية جديدة، وتحسين المردودية الجبائية، بما يضمن استدامة النظام وقدرته على مواكبة الحاجيات المتزايدة للمواطنين.

وتعكس هذه المقاربة الطموحة رؤية واضحة تجعل من الدعم الاجتماعي المباشر ركيزة أساسية في النموذج التنموي المغربي، مع الحرص على ضمان الاستقرار المالي ودوام منظومة اجتماعية في خدمة المجتمع.