جريدة أرض بلادي – بقلم : الحسين ايوسف

في إطار التنافس الحاد والمحموم بين الدول الإمبريالية التوسعية الأوروبية (فرنسا، إنجلترا، إسبانيا، ألمانيا…) على احتلال الدول المستضعفة، بغية استغلال ونهب ثرواتها والحفاظ على مكتسباتها التجارية التي حصلت عليها بالضغوطات والمعاهدات المجحفة، كان لزاماً عليها ابتداع أساليب وسياسات متعددة للتسلل والتغلغل ثم إحكام قبضتها على البلدان المستهدفة استعمارياً. ومن ضمن هذه الأساليب: إنتاج خطاب استعماري إمبريالي لإقناع الرأي العام الغربي بالدرجة الأولى، واستمالة بعض النخب من داخل البلدان المستهدفة وإدماجهم في المخطط، وكذلك انتهاج سياسة ناعمة لدغدغة مشاعر الشعوب المغلوبة على أمرها، بغية إحكام الطوق والعمل على استدامة الاحتلال والاستغلال، إلى حين مجابهة الحركات التحررية التوّاقة للحرية بقوة الحديد والنار.
فما هو الخطاب الاستعماري والسياسة الناعمة اتجاه المغرب؟
قامت السلطات الاستعمارية الغربية المتحالفة مع المال والدين (الشركات العابرة للقارات) و(الكنيسة) على إنتاج مرتكزات إيديولوجية مهيمنة مدعومة بأسس فكرية سلطوية وانتهازية، تحولت فيما بعد إلى خطاب تحريضي على استعمار البلدان الضعيفة، ومحاولة ديمومة بقائها وإضفاء الشرعية على غزو هذه البلدان ونهب خيراتها.
فهذه النظريات والنقاشات والآراء المُنظِّرة والمروّجة لمفاهيم مغلوطة، وإضفاء الشرعية عليها داخل الأوساط الغربية، أنتجت فكراً سلطوياً انتهازياً واستغلالياً وعنصرياً، أقنع الجمهور الأوروبي بأنهم شعوب متنورة وبلدانهم أعلى درجة من غيرهم، وأن العرق الأبيض وأتباع المسيحية هم الناجون والفالحون دون سواهم من “همج” و”متخلفين”، لكي يصبح التدخل في شؤون الغير شرعياً وقانونياً، والاستعمار والنهب ظاهرة مقبولة أخلاقياً، لتوحيد الرأي العام الفرنسي حول المستعمرات وتبرير التمويل والإنفاق البحثي التجسسي والعسكري، لأنها كانت في حاجة إلى تبرير غزوها اتجاه رأيها العام ومعارضيها.
هذا التيار الكولونيالي واللوبي الاقتصادي ذو النزعة التوسعية، والعازم على اكتساح المغرب بأي وجه كان ومهما كلفه ذلك من ثمن، أنتج خطاباً عنصرياً صارخاً كان له تأثير مباشر على السياسة الخارجية الفرنسية، بعد أن جند البروباغندا لتعبئة وإقناع الرأي العام الفرنسي بضرورة التوسع واحتلال مستعمرات بغية إنشاء مشاريع تقوي الدولة الفرنسية ولو على حساب شعوب مستضعفة. فَرَوَّج لطرحه عبر نخبة أسست جرائد ودوريات وأحزاباً، كحزب “التجمع الكولونيالي” الذي أسسه النائب البرلماني أوجين إيتيان سنة 1892، وكان هذا الأخير من المؤسسين لـ”لجنة المغرب” ورئيسها الشرفي، وقد شغل مناصب عليا هامة، منها نائب برلماني لوهران لمدة أربعين سنة، ونائب كاتب الدولة للمستعمرات سنة 1887، ومديراً للمجلة الكولونيالية.
كان هذا التيار يدافع بكل قواه عن التوجهات التوسعية الاستعمارية الفرنسية، سواء في إفريقيا بصفة عامة أو في المغرب على الخصوص، منتجاً ومروّجاً لخطاب توسعي موجّه للرأي العام الفرنسي، والذي كان أيضاً ضرورياً لإقناع المؤسسات الرسمية الفرنسية للانخراط في المشروع الاستعماري، لأن دون إقناع وانخراط المؤسسات الحكومية (برلمان، جامعات بحثية…) والرأي العام لن يكون هناك تمويل حكومي لتغطية النفقات التبشيرية والاجتماعية والأبحاث الأكاديمية الاستخباراتية ثم نفقات الحرب فيما بعد.
إذن احتاجت الإمبراطوريات الاستعمارية إلى شرعنة أطماعها بمساعدة من المؤسسات والأفراد على السواء. ومع بلوغ الأبحاث الإمبريالية ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان لا بد أن يصاحب ذلك إقناع إيديولوجي يؤسس لجدوى هذه الأبحاث، فعمدت الدعاية الإمبريالية المغرضة في فرنسا مثلاً إلى الصحف الأكثر قراءة، كصحيفة “الجمهورية”، وصحيفة “لوفيغارو”، وصحيفة “العهد الجديد”، وصحيفة “بريد الاحتلال”، وصحيفة “الباريسي الصغير”، وغيرها من الصحف المدعومة والمتخصصة في تغطية أخبار المستعمرات، حيث كان الجمهور الفرنسي متعطشاً للتعرف على المستعمرات وسكانها.
كما قامت بالدعاية للمشروع الإمبريالي الفرنسي بإعطاء صورة كاذبة عن المغرب بشعبه وحكامه، حين صوّرت المغربي بالهمجي المتوحش الخارج عن القانون، مستغلة بعض القلاقل أو المقاومة، كما هو الشأن في حادثة مقتل الطبيب الفرنسي إيميل موشون، هذا الأخير الذي وصفته الدعاية الفرنسية بـ”الشخص المسالم الذي يسدي خدمات للإنسانية”. فأمثال الطبيب موشون في الخطاب الاستعماري من خُدّام الحضارة الإنسانية، ومقتله جريمة شنعاء صادرة عن “همج متخلفين”. والحال أنه كان يجب قراءة الحادثة بوصفها وعياً مغربياً ينم عن رفض الاحتلال ومقاومة الإمبريالية.
فمن تمّ، القوات الفرنسية هي المدافعة عن “الحق والعدالة”، مُشرعِنة استعمال القوة والإكراه. فكانت هذه الحادثة ذريعة لغزو مدينة وجدة سنة 1907، في حين أن الطبيب موشون كان جزءاً من المشروع الاستعماري، وما مقتله إلا نوع من مقاومة هذا المشروع الذي أبان فيه المغاربة إباءهم واستعدادهم للدفاع عن بلدهم بكل الوسائل المتاحة. وهنا يتجلى الخطاب الاستعماري الذي كان يعمل على الحط من المستعمَر المظلوم، ويعلي من شأن المستعمِر الغاشم المغتصب، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
وقد كذّب الواقع هذا الخطاب، كما يظهر في نموذج التقرير الذي أعده الليوتنان-كولونيل هوو (Huot) في 20 غشت 1907، حيث يعترف فيه قائلاً:
“(… إن النفوس محصنة ضدنا جيداً، وإن جمهور الشاوية يرغب في الحرب. هذه هي الوضعية كما تبدو الآن. إننا لا نوجد في مواجهة بعض قطاع الطرق المنعزلين أو بعض المجموعات من العصاة والمتمردين، بل نواجه تحشيدات كبرى من القبائل التي تُبدي عداوة حقيقية نحونا)”.
ويتضح جلياً أن الناس ليسوا قطاع طرق وإنما مقاومون ضد الاستغلال والاحتلال، مستعدون للموت في سبيل وطنهم، وليسوا بضعة نفر، وإنما قبائل بأكملها.
وبمجرد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، زادت حدة التدخل العسكري العنيف تحت ما يسمى في الخطاب الاستعماري بـ”حروب التهدئة”، فكانت أولها معركة مسكي سنة 1916 كمنطلق لاحتلال تافيلالت، فتم بناء قصر السوق سنة 1917 كمركز تجاري (مدينة الراشيدية حالياً). ورغم الأطماع التوسعية التي بدأت منذ احتلال الجزائر سنة 1830 وتوقيع اتفاقية لالة مغنية سنة 1845، ثم الزحف نحو الصحراء الشرقية، فتم احتلال توات وتيديكلت سنة 1900، وإيكلي سنة 1901، وبشار سنة 1903، والساورة سنة 1904، وبودنيب سنة 1906، وصولاً إلى بوعرفة ثم تافيلالت.
وحتى المبشرون للمسيحية الملقبون بـ”الآباء البيض” اعتمدوا على أطباء رهبان وممرضات راهبات كمقدمي خدمات إنسانية وأعمال خيرية للترويج للدين المسيحي ومحاولة تنصير المغاربة واستمالتهم خدمةً للأهداف العسكرية الاستعمارية، بسياسة التسلل والاستمالة والاحتواء لأنها سياسة غير مكلفة، وتهدف إلى إطالة أمد الاستعمار وترسيخ مظاهره ثقافياً واقتصادياً وسياسياً في المجتمع ومؤسسات الدولة. وهذا ما يصطلح عليه بالقوة الناعمة، وعندما تبدو أفكار ما أو سياسة معينة “مشروعة” في عيون الآخرين بخطاب تضليلي، تتسع القوة الناعمة ونتائجها.
مفهوم القوة الناعمة
هي ظاهرة تشمل كافة الأنشطة والخدمات الاجتماعية والتواصلية المؤثرة التي تنتهجها جهة ما، بهدف تنفيذ قرارات ومشاريع مضمرة، وتحديد نظم وجدول العمل من أجل صنع القرار، لتحقيق الأهداف المتوخاة عن طريق الجاذبية بطرق شتى (الثقافة الشعبية، الدبلوماسية الحكومية، المنظمات الدولية، مؤسسات المجتمع المدني، الشركات التعدينية والمؤسسات التجارية…) بغية الحصول على مكاسب وموطئ قدم بالتأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المخطط لها، والوصول إلى الإذعان وإحكام الطوق من دون الاضطرار إلى استعمال الإكراه والوسائل العسكرية المكلفة.
هذا ما عمدت إليه الدول الاستعمارية حين أجّلت القوة ومارست التأثير والنفوذ بمختلف أشكاله على غيرها من الدول والشعوب المستضعفة، سواء بواسطة السفارات والقنصليات والبعثات العلمية والطبية والتبشيرية، وعبر الوسائل الدبلوماسية والثقافية والإعلامية المختلفة، لتحقيق غايات ثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية لحسابها.
فأرسلت الرسامين والجغرافيين والمهندسين والمستكشفين والمبشرين والأطباء إلى كل البلدان المندرجة في المخطط الإمبريالي، بما فيها المغرب. كل هؤلاء تغلغلوا في الأوساط المغربية بغطاءات مختلفة وهدف واحد: استمالة المغاربة ومحاولة إقناعهم بنبل مسعاهم المزعوم الذي كان ظاهره الخدمات الاجتماعية والإنسانية، وباطنه إعداد الدراسات والخرائط والتقارير من أجل الاحتلال والنهب الذي هو النتيجة الحتمية التي تريدها دون تهديدات ملموسة أو رشاوى أو حروب مكلفة لخزينتها.
فكان الأطباء بالدرجة الأولى أهم من قاموا بهذا الدور الناعم، ومما ساعدهم على ذلك هو الاحتكاك المباشر مع مختلف وأوسع شرائح المجتمع المغربي من فلاحين وحرفيين وقياد وباشاوات، وصولاً إلى قصر السلطان، بل تجاوزوا ذلك إلى مرافقته في “الحركات” لتقديم خدماتهم التطبيبية، في حين أنهم لم يكونوا مجرد أطباء، بل كانوا أطباء عسكريين ومخبرين مهدوا الطريق للهيمنة الاستعمارية.
هكذا عمد الفرنسيون إلى كافة الوسائل لإقناع عامة الفرنسيين والغربيين وكذلك بعض سكان المستعمرات الذين منحتهم الامتيازات الضريبية وصفة “المحميين” وإنتاج نخبة تم إدماجها في المنظومة الاستعمارية. ناهيك عن نشر الأخبار الكاذبة والمغرضة لإحداث الفرقة، ووصف المقاومين الذين يضربون مصالح المستعمر بقطاع الطرق والمخربين، والقبائل الثائرة بوصفها “بلاد السيبة”، كل هذا يستوجب في نظرهم “التهدئة” و”استتباب الأمن”. فمن ثَمّ واجب “تنوير العالم وإخراجه من التخلف والعمل على ازدهاره ولو بالقوة”، وهذا ما عمدت إليه دولة الاحتلال بعدما طوقت الدولة المغربية بالمعاهدات المجحفة والديون والغرامات.
