جريدة أرض بلادي –

يُشكّل السور التاريخي لمدينة مراكش أحد أهم الشواهد العمرانية التي تؤرخ لنشأة المدينة الحمراء وتطورها عبر مراحل تاريخية متعاقبة، غير أنّ هذا المعلم، رغم رمزيته وقيمته التراثية، بات اليوم يواجه إكراهات متعددة تطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع صيانة الذاكرة العمرانية بالمدينة.
فالسور الذي شُيّد في القرن الثاني عشر خلال الفترة المرابطية، لم يكن مجرد جدار دفاعي، بل كان جزءًا من منظومة عمرانية متكاملة، ساهمت في تنظيم المجال الحضري وضبط العلاقة بين داخل المدينة وخارجها. وقد أضفت مادة “الطابية” المستعملة في بنائه طابعًا جماليًا خاصًا، جعل من السور عنصرًا بصريًا ملازمًا لهوية مراكش المعمارية.
غير أن جولة قصيرة بمحاذاة أجزاء من هذا السور تكشف تفاوتًا واضحًا في مستوى العناية به، إذ تعاني بعض المقاطع من تآكل واضح، وتشققات ناتجة عن عوامل طبيعية وبشرية، في ظل ضغط عمراني متزايد وتداخل استعمالات لا تنسجم دائمًا مع طبيعته كمعلم تاريخي محمي. وهو ما يعكس، بحسب متتبعين، غياب رؤية موحدة للتعامل مع هذا الموروث، والاكتفاء بتدخلات جزئية لا ترقى إلى مستوى التحديات المطروحة.
ويرى مهتمون بالشأن التراثي أن الإشكال لا يكمن فقط في الترميم التقني، بل في غياب إدماج السور ضمن تصور حضري شامل، يجعله عنصرًا فاعلًا في المشهد الثقافي والسياحي، بدل اختزاله في خلفية عمرانية صامتة. كما يطرحون تساؤلات حول مدى التوفيق بين متطلبات التوسع الحضري والحفاظ على الخصوصيات التاريخية التي تميّز المدينة الحمراء عن غيرها.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها مراكش، سواء على المستوى العمراني أو السياحي، يظل السور التاريخي اختبارًا حقيقيًا لسياسات صون التراث، ومدى قدرتها على الانتقال من منطق المحافظة الشكلية إلى منطق التثمين المستدام، القائم على احترام الذاكرة الجماعية وإعادة الاعتبار للمعالم المؤسسة لهوية المدينة.
ويبقى السور التاريخي، في نهاية المطاف، شاهدًا على علاقة متشابكة بين الماضي والحاضر، علاقة تحتاج اليوم إلى قراءة نقدية هادئة، تُعيد طرح سؤال التراث ليس كإرث منتهي الصلاحية، بل كعنصر مركزي في بناء مدينة تحترم تاريخها وهي تخطو نحو المستقبل.
