جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

ليست السيول، في حد ذاتها، هي العدو الحقيقي للمواطنين، بل الطريقة التي تُدار بها المخاطر قبل أن تتحول إلى مآسٍ. ما حدث في إقليم آسفي لا يمكن عزله عن سياق عام يتسم بضعف الاستعداد، وغياب الرؤية الاستباقية، والاكتفاء بتدبير الأزمات بعد وقوعها.
صحيح أن الأمطار كانت غزيرة، لكن الغزارة وحدها لا تفسر سقوط عشرات الضحايا ولا حجم الخسائر المسجلة. فالدول التي تحترم حق مواطنيها في الحياة لا تنتظر الكارثة لتتحرك، بل تجعل من الوقاية أولوية، ومن التخطيط العمراني أداة لحماية الإنسان لا لتعريضه للخطر.

في كل مرة تقع فاجعة مماثلة، يُعاد إنتاج الخطاب نفسه: لجان، تحقيقات، ووعود بالإصلاح. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا تتكرر الكوارث؟ ولماذا تبقى نتائج هذه التحقيقات حبيسة الرفوف؟ إن تكرار المشهد يعني أن الخلل بنيوي، وليس ظرفيًا.
من وجهة نظر شخصية، فإن أخطر ما في هذه المأساة ليس فقط عدد الضحايا، بل اعتياد المجتمع على هذا النوع من الأخبار، وكأن الأرواح تُستهلك في نشرات الطقس. هذا التطبيع مع الخسارة الإنسانية يعكس فشلًا مزدوجًا: فشل في التدبير، وفشل في ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فتح تحقيق قضائي خطوة ضرورية، لكنها غير كافية إن لم تُترجم إلى قرارات شجاعة تُنهي منطق الإفلات من المسؤولية. فالمساءلة الحقيقية لا تعني البحث عن موظف صغير لتحميله الخطأ، بل تفكيك سلسلة القرارات التي أوصلت إلى هذه النتيجة.
إن ما وقع في آسفي يجب أن يُقرأ كإنذار أخير: إما أن نغيّر طريقة تفكيرنا في تدبير المخاطر، أو نستمر في عدّ الضحايا بعد كل موسم أمطار. الكوارث الطبيعية قدر، لكن تحويلها إلى مآسٍ إنسانية هو خيار، والخيار دائمًا مسؤولية بشرية.
