جريدة أرض بلادي -ـحبيل رشيد

يقول ميغيل دي ثيربانتس: «الكتاب ليس مجرد أوراقٍ مطويةٍ تُقرأ… الكتاب نافذةٌ يطل منها الإنسان على ذاته، ومنه ينسج إدراكه للعالم… القراءة رحلةٌ متشابكة المسالك… تتطلب صبرًا طويلًا، وتأملًا حادًّا، ومصاحبة هادئة للأفكار… هي تدريبٌ على الشك الخلاق… ومصادقةٌ مع التساؤلات الكبرى… ومن يداوم على القراءة، يكتشف الطبقات المخفية للوجود، ويعيد ترتيب ذاكرته الداخلية… ويمنح رؤيته للأشياء صفةً أكثر وضوحًا، ويُمدّد الزمن ليصبح معنىً متواصلًا…»
في فضاءٍ تربويٍّ تتناثر فيه الأصوات والأسئلة الكبرى حول دور المدرسة، وتتقاطع فيه الرغبة في الارتقاء بالمعرفة مع الحاجة إلى صقل الفعل القرائي، تتجلّى القراءة كفعل مؤسَّس، يتجاوز حدود الكتابة والحروف، ليصبح ممارسة وجودية… أفقًا معرفيًا يربط المتعلم بالإنسانية… ويمكّنه من التموقع داخل العالم… في هذا السياق، تحتضن مؤسسة اقرأ الخصوصية بمدينة ابن أحمد، تحت إشراف المديرية الإقليمية بسطات، دورةً تكوينية لفائدة الأستاذات والأساتذة المشرفين على مسابقة تحدي القراءة العربي، بتأطير من الفريق الإقليمي، تهدف إلى تجويد آليات التأطير، إحكام صيغ التتبع، والارتقاء بالممارسات القرائية داخل المؤسسات التعليمية…

إن اختيار المؤسسة لاحتضان هذه الدورة لا يكتفي بكونه رمزًا إداريًا… بل يعكس تراكمًا نوعيًا في التجربة التربوية… ويعبر عن وعي مؤسسي حقيقي بالقراءة كفعل تأسيسي… يتجاوز مجرد المنافسة ليصل إلى بناء الإنسان القارئ، القادر على التحليل، مساءلة النصوص، وإعادة إنتاج المعنى… فالقراءة تتحوّل من نشاطٍ مدرسي محض إلى ممارسة ثقافية ممتدة… تؤسس علاقة حية بين المتعلم والمعرفة… تمنحه أدوات التموقع في العالم… وتجعله فاعلًا في صياغة رؤيته الخاصة…
الدورة، من زاوية منهجية، ركزت على تعزيز الكفايات التأطيرية للأطر التربوية المشرفة على المسابقة، من خلال مقاربات بيداغوجية حديثة، تستثمر في تتبع المسارات القرائية للمتعلمين… وتدعم بناء مشاريع قراءة شخصية، قائمة على الاختيار الواعي، التدرج المنهجي، والتفاعل النقدي مع النصوص… فالقراءة، في هذا السياق، ليست مجرد تصفح أو التلقي السطحي… بل فعل تراكم معرفي… يتطلب نفسًا طويلًا… متابعة دقيقة… وإيمانًا عميقًا بدور الأستاذ بوصفه وسيطًا ثقافيًا… مرشدًا معرفيًا… وصانع أثر…
برزت أهمية الانتقال من القراءة الاستهلاكية إلى القراءة المنتجة للمعنى… ومن التلقي السطحي إلى التفاعل العميق مع النصوص… وقد اعتمد الفريق المؤطر على آليات تربوية تراعي الفروق الفردية… تحترم إيقاع المتعلمين… وتفتح أمامهم آفاق السؤال… الدهشة… التأمل… وهو رهان يتقاطع مع فلسفة مسابقة تحدي القراءة العربي، التي تجعل من الكتاب جسراً نحو التمكين اللغوي… الوعي الحضاري… والانفتاح الإنساني…
تأكيد المديرية الإقليمية على هذه المحطة يعكس انخراطها في دينامية تربوية تروم الارتقاء بالفعل القرائي داخل المؤسسات التعليمية… وتكريس القراءة كخيار استراتيجي… يتقاطع مع جودة التعلمات… بناء الكفايات العرضانية… وصقل الشخصية المتوازنة للمتعلمين… أما الفريق الإقليمي، فقد وسمت تدخلاته بالعمق المنهجي، والاشتغال على تفاصيل دقيقة… تتعلق بتتبع الأداء القرائي… تقييم المسارات… تحفيز المتعلمين على الاستمرارية… الانضباط الذاتي… الالتزام المعرفي…
الدورة تنعقد في سياق تحكمه تحولات متسارعة في أنماط التلقي… وهيمنة الوسائط الرقمية… مما يجعل الرهان على القراءة الورقية والفعل القرائي العميق معركة ثقافية هادئة… تتطلب صبرًا تربويًا طويلًا… استراتيجيات ذكية… إقناعًا… تحفيزًا… وبناء المعنى المشترك داخل المدرسة…
إن مؤسسة اقرأ، عبر احتضانها هذه المحطة، تكرس موقعها كفضاء تربوي فاعل… يؤمن بالاستثمار في الإنسان… وبأن القراءة مدخل أساس لبناء الوعي… تحرير الفكر… توسيع أفق التلميذ… ومنح المعنى زمنًا إضافيًا ليصبح جزءًا من التجربة الإنسانية… وقد بدا واضحًا أن هذا الورش التكويني يراهن على تحويل الأستاذ من منفذ للبرنامج إلى مهندس للمعنى… من ناقل للمعرفة إلى محفز على الاكتشاف…
وفي أفق إنجاح هذه المحطة، يتقاطع الجهد المؤسسي مع الاجتهاد الفردي… ويتكامل الإشراف الإداري مع الحس البيداغوجي… في سبيل بناء تجربة قرائية راسخة… قادرة على إحداث الأثر… ترك البصمة… وتحقيق الإضافة النوعية داخل مسار تحدي القراءة العربي…

وقد بدا أن المشروع القرائي في مؤسسة اقرأ يمثل نموذجًا حيًا لما صاغه خورخي لويس بورخيس عن القراءة باعتبارها قدرًا وجوديًا… وما أشار إليه أمبرتو إيكو بوصف المكتبة ذاكرة للعالم… وما أفصح عنه غاستون باشلار في ربط النص بالخيال الخلاق… إشارات فكرية تعزز الرهان على القراءة كفعل مؤسس للوعي… محرّك للتقدم… وجسر نحو المستقبل…
إن القراءة، في هذا السياق، تتجلى كمسار طويل… كرحلة متصلة… تتطلب الانتباه للنصوص… التأمل في المعاني… صبرًا على المراتب… تدربًا على التساؤل… مواجهة الأسئلة الكبرى… ومن يداوم عليها يعيد ترتيب ذاته… يكوّن رؤيته للعالم… يمنح المعنى امتدادًا إضافيًا… ويخلق مساحة للتفكير الحر… للتأمل النقدي… وللاكتشاف المستمر…
