جريدة أرض بلادي *بقلم حبيل رشيد.*

تحتضن المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، يوم الأربعاء 21 يناير 2026، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً، ندوة فكرية وازنة تتمحور حول الرهانات الجيو-استراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية للرياضة، وذلك في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد الرياضي الدولي، ومع اقتراب المغرب من استحقاقات كروية قارية وعالمية ذات حمولة رمزية وسيادية عالية، في مقدمتها تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم والمشاركة في احتضان كأس العالم.
وتندرج هذه الندوة ضمن رؤية تحليلية تسعى إلى تفكيك الأبعاد غير التقليدية للرياضة، باعتبارها أداة نفوذ ناعم، ورافعة اقتصادية، ولسانًا دبلوماسيًا بليغًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليطال دوائر القرار، والاستثمار، والصورة الدولية للدول. فالرياضة، وفق هذا المنظور، لم تعد مجالًا تنافسيًا محضًا، بل غدت فضاءً استراتيجيًا تتقاطع فيه المصالح، وتُدار داخله رهانات السيادة، والتموقع، وإعادة تشكيل الخرائط الرمزية بين الأمم.
وتعرف الندوة مشاركة أسماء أكاديمية وخبرات وازنة في مجالات القانون، والاقتصاد، والسياسة الرياضية، يتقدمهم الدكتور عبد الرحيم غريب، أستاذ بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالدار البيضاء وباحث في الحكامة الرياضية، الذي يُنتظر أن يتناول البعد التدبيري والاقتصادي لتنظيم التظاهرات الكبرى، وما تطرحه من إكراهات تتعلق بالحوكمة، والاستدامة، وربط الاستثمار الرياضي بالتنمية الشاملة.
كما يشارك في هذا اللقاء العلمي الدكتور محمد حركات، أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط ومحامٍ بهيئة الرباط، حيث يُرتقب أن يسلّط الضوء على الأبعاد القانونية والدبلوماسية المرتبطة بتنظيم التظاهرات الرياضية الدولية، وما يرافقها من التزامات تعاقدية، وتحكيم رياضي، ومكانة الدولة المضيفة داخل المنظومة الرياضية العالمية.
ويُعزّز النقاش حضور الدكتور منصف اليازغي، المختص في السياسة الرياضية، الذي من المرتقب أن يقارب الرياضة بوصفها أداة اشتغال سياسي ورأسمالًا رمزيًا، يُستثمر في تحسين الصورة الدولية، وبناء الثقة، وتكريس الحضور المغربي داخل المنتديات القارية والدولية، في زمنٍ باتت فيه الكرة لغة مشتركة بين الشعوب، وأداة تأثير تتجاوز البلاغات الرسمية.
وتأتي هذه الندوة في لحظة دقيقة من المسار المغربي، حيث يراكم البلد تجربة تنظيمية لافتة في احتضان التظاهرات الرياضية الكبرى، ويستثمر في البنية التحتية، والرأسمال البشري، والتموقع الجغرافي، بما يجعله فاعلًا محوريًا في المشهد الرياضي الإفريقي والمتوسطي. وهو ما يفتح النقاش حول الكلفة والعائد، وحول قدرة الرياضة على خلق دينامية اقتصادية مستدامة، وتوفير فرص الشغل، وتحفيز السياحة، وتعزيز جاذبية الاستثمار.
ولا ينفصل هذا النقاش عن البعد الدبلوماسي، إذ تشكل التظاهرات الرياضية الكبرى فضاءً لإعادة صياغة العلاقات بين الدول، وبناء جسور التعاون، وتليين مواقف متصلبة، في عالم باتت فيه القوة الناعمة عنصرًا حاسمًا في ميزان العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، تسعى الندوة إلى مساءلة مدى جاهزية الإطار المؤسساتي والقانوني المغربي لمواكبة هذه التحولات، وضمان توظيف أمثل للزخم الرياضي في خدمة المصالح العليا للبلاد.
ويُنتظر أن تعرف الندوة حضورًا نوعيًا من باحثين، وطلبة، وفاعلين مهتمين بالشأن الرياضي والقانوني، بما يجعل منها فضاءً للنقاش الرصين وتبادل الرؤى، بعيدًا عن الخطاب الاحتفائي السطحي، وقريبًا من التحليل العميق الذي يربط الرياضة بسياقها الاستراتيجي الأشمل.
هكذا، تتحول قاعة الندوات بالمكتبة الوطنية، مساء الأربعاء، إلى منصة تفكير جماعي في مستقبل الرياضة المغربية، لا بوصفها لعبة جماهيرية فحسب، بل باعتبارها أفقًا استراتيجيًا تتقاطع فيه السيادة، والتنمية، والدبلوماسية… حيث يصبح السؤال الجوهري: كيف يُدبّر المغرب لحظته الرياضية القادمة بعقل الدولة، وبمنطق الاستشراف، وبوعيٍ بحجم الرهان…؟
