بين نبض الشارع ومتطلبات البطاقة المهنية: الصحافة الحية والمقالات على سرير الإنعاش

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في عالم الصحافة، لا تُقاس قيمة المقال بعدد كلماته، بل بقدرته على نقل الحياة. هناك مراسلون وصحفيون يأتون بمقالات تنبض بالشارع، تُحاكي الناس، وتلتقط اللحظة قبل أن تفلت. وفي المقابل، نجد مقالات تصل إلى القارئ وهي على سرير الإنعاش، بلا روح، بلا حرارة، كأنها كُتبت لتُنسى.

المقال الحي هو ذلك الذي يولد من الميدان. يخرج الصحفي إليه بعين مفتوحة وقلب يقظ، يسمع قبل أن يكتب، ويسأل قبل أن يحكم. هو مقال يرى التفاصيل الصغيرة ويمنحها معنى، يربط الحدث بسياقه، ويضع الإنسان في قلب الخبر لا على هامشه. هذا النوع من الكتابة لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يفسرها ويضيء زواياها، ويجعل القارئ شريكًا في الفهم.

أما المقال الذي يصل إلى “أسرة الإنعاش”، فهو غالبًا نتاج الاستسهال أو التكرار. لغة جامدة، عناوين مستهلكة، وأفكار معلبة لا تثير سؤالًا ولا تحرّك شعورًا. وغالبًا، لا يكتب بعض الصحفيين إلا لأخذ البطاقة المهنية في آخر السنة أو تجديدها، دون أي شغف أو اهتمام بالموضوع. نصوص كهذه قد تكون صحيحة المعلومات، لكنها ميتة التأثير، لا تترك أثرًا ولا تضيف معرفة جديدة.

الفرق بين النوعين ليس في الموهبة وحدها، بل في المسؤولية. الصحفي الحيّ يدرك أن الكلمة أمانة، وأن المقال ليس مجرد فراغ يُملأ، بل فرصة للتنوير والمساءلة. يبحث، يتحقق، ويجتهد ليكون صادقًا مع قارئه. بينما يكتفي الآخر بنقل ما هو متاح، فتخرج كتابته باهتة، فاقدة للنبض والمعنى.

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتنافس المنصات، تبقى الصحافة الحقيقية رهينة الروح التي تُكتب بها. فإما مقال يُنعش الوعي ويوقظ التفكير، أو نص يحتاج من يُعلن وفاته بهدوء. والاختيار، في النهاية، بيد الصحفي.