جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

أصبحت ظاهرة الطلاق الصامت، أو ما يُعرف بالانفصال الزوجي الخفي، حاضرة بقوة في المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة. ويقصد بالطلاق الصامت استمرار العلاقة الزوجية شكليًا، رغم كونها علاقة متوترة وفاشلة، وكأنها زواج “معلّق” بلا روح ولا مضمون، حيث تصبح الحياة الزوجية مستحيلة نفسيًا وعاطفيًا.
ويُعدّ الطلاق الصامت حالة نفسية يشعر فيها أحد الزوجين أو كلاهما بمشاعر سلبية تجاه الطرف الآخر، في ظل التباعد والنفور وانعدام الانسجام. وغالبًا ما يتجلى ذلك في صراعات نفسية حادة، خاصة عندما تعاني الزوجة – في بعض الحالات – من تسلط مفرط أو من أزمات نفسية سابقة أو حالية تؤثر في توازنها النفسي، فتدخل في صراع مع ذاتها، وترفض واقعها، وتصبح سجينة أفكار سلبية تدفعها إلى العزلة والانطواء.
وفي خضم هذا الاضطراب النفسي، تميل بعض الزوجات إلى افتعال المشاكل، ومراقبة الزوج، والبحث عن أخطائه وعيوبه، بل واتهامه بالخيانة دون دلائل واضحة، فيتحول الشريك إلى “العدو الأول”. وتؤدي هذه الحالة إلى سلوكيات غير متزنة، كالعناد المفرط، والصراخ الدائم، وفقدان الثقة بالنفس وبالآخر، وأحيانًا التفكير في إيذاء النفس أو الانتقام منها ومن المحيطين بها.
ومع غياب التوافق العاطفي والجنسي، وانعدام الحوار والتفاعل، يبدأ الطرفان في التفكير في الخيانة الزوجية، أو البحث عن بديل عاطفي يمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة، في محاولة للهروب من الأزمة النفسية والعاطفية التي يعيشها الزوجان داخل هذا الصراع الخفي.
في الطلاق الصامت، يختار كل طرف حياة مستقلة داخل بيت الزوجية نفسه، فيسود الصمت والبرود، وتتفاقم المشاكل والصراعات، وتتحول الحياة الزوجية إلى جحيم يومي وتعاسة بلا حدود. وتنشأ مشاعر سلبية من كراهية ونفور، تؤدي إلى استحالة التواصل العقلي والنفسي والجسدي، في ظل علاقة باردة تفتقد إلى الإحساس والانسجام العاطفي.
وهكذا يستمر الزواج شكلاً، وينتهي مضمونًا؛ حيث يعتقد الناس بوجود انسجام ظاهري بين الزوجين، بينما تخفي الجدران حقيقة لا يعلمها سوى الطرفين.
وتُعدّ ظاهرة الانفصال العاطفي أو الطلاق الصامت واقعًا ملموسًا في مجتمعنا، ومن بين أسبابها الإفراط في استعمال الهواتف الذكية والانغماس في العالم الأزرق، وتأثير الفضاء الافتراضي، خاصة على الزوجة، حيث تُبنى أحلام وردية سرعان ما تصطدم بواقع مختلف. ورغم خطورة هذه الظاهرة على الحياة الأسرية والمجتمعية، وعلى الأبناء خصوصًا، فإنها تظل من المواضيع المسكوت عنها، نعيشها ونتألم منها دون أن نجرؤ على البوح بها، فتبقى سرًا لا يعلمه إلا الزوجان.
فعقد الزواج يظل ساريًا قانونيًا، لكن كل طرف يعيش بمعزل عن الآخر، حياة مستقلة نفسيًا وعاطفيًا، رغم العيش تحت سقف واحد. وقد لا يجتمع الزوجان إلا في المناسبات الاجتماعية أو الرسمية، خوفًا من لقب “مطلق” أو “مطلقة”، خاصة في حال وجود أبناء.
وتكون النتيجة حالة من الطلاق الخفي، حيث تستمر العلاقة الزوجية أمام الناس فقط، بينما تنقطع خيوطها في الحياة الخاصة. فالطلاق الصامت هو نهاية غير رسمية للعلاقة الزوجية؛ لا تواصل، ولا حوار، ولا مودة، ولا علاقة زوجية تقرّب القلوب. وتصل المشاعر إلى درجة من الجمود قد تنعدم معها الغيرة، ويغيب الاحترام، وتُستبدل المودة بالكراهية والرغبة في الانتقام.
ويتجلى الطلاق الصامت أيضًا في غياب رؤية مشتركة بين الزوجين، وغياب الحوار الصادق، حيث يمارسان دور الزوجين في العلن، ويخفون القطيعة داخل البيت. ويستمر أحد الطرفين أو كلاهما في هذه العلاقة الصورية، خوفًا من نظرة المجتمع القاصرة، خاصة تجاه المرأة المطلقة.
وأمام العائلة والأصدقاء، يظهر الزوجان وكأنهما في أبهى صور الانسجام، لكن في خلوتهما يسقط القناع، ويعود وجه الفراق والقطيعة، لتستمر العلاقة الزوجية الشكلية في ظل طلاق صامت وخفي، يهدد كيان الأسرة ومستقبلها.

