جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

تعيش سواحل إقليم الناظور، خلال الفترة الأخيرة، على وقع عودة مقلقة لنشاط شبكات تهريب المخدرات، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول مستوى المراقبة والردع، ويعكس كيف تحولت بعض النقاط الساحلية إلى فضاءات شبه مفتوحة تتحكم فيها شبكات منظمة، تتحرك بثقة وتفرض إيقاعها الخاص.
ووفق معطيات متداولة محليًا، تستعد إحدى أخطر شبكات تهريب المخدرات والبشر المرتبطة بالمنطقة لاستئناف عملياتها انطلاقًا من سواحل جماعتي بوعرك وأركمان، مع اعتماد بحيرة مارتشيكا كنقطة عبور رئيسية في اتجاه الضفة الأخرى. وتفيد نفس المعطيات بأن الشحنة المرتقبة توصف بالضخمة، إذ يُقال إنها تصل إلى نحو طنين من مخدر الشيرا، جرى تخزينها داخل منزل يُستعمل كمخبأ آمن.
المثير للقلق في هذه التطورات لا يقتصر على حجم الكمية المتداولة، بل يتجلى أساسًا في الطريقة التي تُدار بها العمليات، حيث يسود انطباع بأن التحركات تتم في وضح النهار وبقدر كبير من الاطمئنان، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول كيفية تمرير مثل هذه الأنشطة دون عراقيل تُذكر.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن زعيم هذه الشبكة يقيم خارج أرض الوطن، وبالضبط في إسبانيا، لكنه يظل حاضرًا بقوة في تفاصيل ما يجري على السواحل، إلى حد أن اسمه بات مرتبطًا محليًا بتنظيم حركة القوارب وتحديد توقيت الإبحار والتوقف. كما يُتداول في أوساط التهريب أنه يعتمد أسلوب “شراء الطريق”، في تعبير يوحي بإمكانية وجود تهاون أو اختراق محتمل داخل بعض دوائر المراقبة، مستغلًا ظروفًا زمنية حساسة، من بينها انشغال الرأي العام والجهات المعنية بتظاهرات رياضية كبرى، وعلى رأسها مباريات المنتخب المغربي ضمن بطولة أمم إفريقيا.
وفي إطار إعادة ترتيب أوراقها، قامت الشبكة، بحسب نفس المعطيات، بتكليف أحد أبناء المنطقة، المعروف باسم “جواد”، بالإشراف المباشر على التنفيذ، بعدما تم الاستغناء عن مجموعة كانت تُعرف بـ“ولاد ناصر”. خطوة تعكس، حسب متتبعين، الطابع الاحترافي الذي بات يميز هذه الشبكات، إذ تغيّر الواجهات والأسماء وتتكيف مع الضغوط دون أن يتغير الهدف الأساسي، وهو استمرار تهريب المخدرات والبشر واستباحة المجال البحري.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الشبكة نفسها حاولت في وقت سابق نقل نشاطها إلى مدن أخرى، من بينها الدار البيضاء والجديدة، غير أنها اصطدمت هناك بتدخلات أمنية صارمة دفعتها إلى التراجع، قبل أن تعود من جديد إلى سواحل الناظور، حيث يبدو أنها وجدت ظروفًا أكثر ملاءمة. هذا المعطى يطرح بدوره أسئلة محرجة: لماذا تفشل هذه الشبكات في بعض المناطق وتنجح في أخرى؟ وما الذي يجعلها تعود في كل مرة إلى نفس السواحل بثقة واضحة؟
ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في عملية تهريب عابرة أو شحنة واحدة، بل يتعلق بنموذج متكامل للجريمة المنظمة، يراكم الثروة والنفوذ، ويختبر صلابة أجهزة المراقبة، ويستغل أي فراغ أو ضعف في الردع. وحين يصبح انتظار الأحوال الجوية المناسبة هو العائق الوحيد أمام تهريب أطنان من المخدرات، فإن الإشكال الحقيقي لم يعد في البحر بقدر ما هو على اليابسة.
إن ما تشهده سواحل بوعرك وأركمان ومحيط مارتشيكا يتجاوز كونه أخبارًا متفرقة عن التهريب، ليشكل جرس إنذار حقيقي. فإما أن تبادر الجهات المعنية إلى تحركات حازمة، وتحقيقات شفافة، وقطع الطريق أمام كل أشكال التواطؤ والمناطق الرمادية، أو يستمر نفس المشهد: بارونات يديرون العمليات عن بعد، وعصابات تنفذ على الأرض، ومجتمع محلي يتحمل الكلفة، فيما تتعرض سمعة البلاد لمزيد من الاستنزاف.
