قانون المالية 2026 يعيد رسم خريطة الجمارك والضرائب بالمغرب

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يشكل قانون المالية لسنة 2026 محطة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة الجمركية والجبائية بالمغرب، إذ يرتقب أن تدخل ابتداءً من فاتح يناير 2026 حزمة متكاملة من الإجراءات الجديدة التي ستغير قواعد الاستيراد، ونسب الرسوم، وآليات المراقبة، ووسائل التصدي للتهريب.

وتعكس هذه التدابير توجهاً واضحاً نحو تعزيز السيادة الاقتصادية، وحماية الإنتاج الوطني، وتحديث إدارة الجمارك بما يواكب التحولات التكنولوجية والمعايير الدولية المعتمدة في محاربة الغش التجاري.

ومن أبرز المستجدات التي حملها النص التشريعي تشديد الالتزامات المتعلقة بالتصريح، حيث أصبح لزاماً على المستوردين تحديد أماكن تخزين السلع وتحويلها بدقة. كما أقر القانون عقوبات مالية تتراوح بين 30 ألفاً و60 ألف درهم في حال الإدلاء بتصريحات غير صحيحة، في خطوة ترمي إلى الحد من ممارسات الإخفاء التي تعرقل عمليات المراقبة اللاحقة.

وفي السياق ذاته، تم توسيع صلاحيات المصالح الجمركية عبر اعتماد وسائل تكنولوجية حديثة، من بينها الطائرات المسيرة، وكاميرات المراقبة، وأجهزة المسح الضوئي. ويؤشر هذا التوجه إلى اعتماد مقاربة رقابية ذكية ومستمرة، تنسجم مع المعايير الدولية في مجال مكافحة التهريب والاحتيال.

أما على مستوى الرقمنة، فقد تضمن قانون المالية ابتكاراً لافتاً يتمثل في فتح المجال، بشكل اختياري ابتداءً من سنة 2026، لاستخدام تكنولوجيا “البلوك تشين” في عمليات التخليص الجمركي. وستتيح هذه المنصة تبادلاً آمناً للوثائق التجارية، والتحقق من هوية الموردين الأجانب، والتأكد من صحة الفواتير، بما من شأنه تقليص آجال المعالجة وخفض التكاليف.

وعلى صعيد الرسوم الجمركية، أجرى القانون تعديلات دقيقة استهدفت قطاعات محددة. فقد تم تخفيض رسم استيراد الهواتف الذكية من 17,5 في المائة إلى 2,5 في المائة، بهدف تقليص الفجوة مع السوق غير المهيكل وتشجيع ظهور صناعة وطنية لتجميع هذه الأجهزة. في المقابل، تم اعتماد إجراءات حمائية في المجال الفلاحي، من بينها رفع رسم استيراد الزعفران من 40 إلى 60 في المائة، حماية لسلسلة إنتاج مغربية ذات قيمة مضافة عالية.

كما نص القانون على دعم مباشر للفلاحين من خلال تخفيض الرسوم المفروضة على عدد من المدخلات الفلاحية الأساسية إلى 2,5 في المائة، وذلك للتخفيف من تكاليف الإنتاج في ظل التقلبات المناخية وارتفاع الأعباء.

وفي ما يخص السيادة الصحية، فقد تقرر رفع الرسوم الجمركية على أجهزة التشخيص السريع من 2,5 في المائة إلى 17,5 في المائة، في خطوة ترمي إلى تحفيز التصنيع المحلي. وبالموازاة مع ذلك، تم توسيع نطاق الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة ليشمل مجموعة من المواد الأساسية، إضافة إلى بعض المنتجات المخصصة حصرياً للنشاط الفلاحي، شريطة احترام مساطر إدارية دقيقة.

ولتفادي اختلالات بعض الأسواق الحساسة، أقر قانون المالية إجراءات استثنائية مؤقتة، من بينها إعفاء استيراد الحيوانات الحية من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، في حدود 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الإبل خلال سنة 2026.

وفي إطار محاربة الاقتصاد غير المهيكل، وسّع القانون تعريف التهريب داخل مناطق التسريع الصناعي، واعتبر حيازة سلع غير مصرح بها جنحة من الدرجة الثانية. كما تم توسيع نطاق الوسم الجبائي ليشمل منتجات جديدة، من بينها السجائر الإلكترونية وبدائل النيكوتين وبعض المنتجات المرتبطة بالتبغ. وأكد النص أن سنة 2026 ستكون المرحلة الأخيرة من الإصلاح التدريجي للضريبة المفروضة على السجائر، الذي انطلق منذ سنة 2022.

ومن خلال هذه التدابير المتكاملة، يرسم قانون المالية 2026 ملامح نموذج جمركي جديد، أكثر صرامة في المراقبة، وأكثر انتقائية في الحماية، وموجه بقوة نحو التكنولوجيا، بما يؤهله لإحداث تحول عميق في المبادلات التجارية وتعزيز مناعة الاقتصاد الوطني.