كان المغرب… بطولة استثنائية بروح رياضية عالية واستثناء واحد خارج النص

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

منذ انطلاق نهائيات كأس أمم إفريقيا المقامة بالمغرب، بدا واضحاً أن هذه النسخة تحمل طابعاً مميزاً جعلها تحظى بإشادة واسعة على مختلف المستويات. فقد برز النجاح ليس فقط من خلال جودة التنظيم وتطور البنيات التحتية، بل أيضاً عبر الروح الرياضية التي طبعت سلوك أغلب المنتخبات المشاركة، بما في ذلك اللاعبون والأطقم التقنية ووسائل الإعلام والجماهير.

المنتخبات الإفريقية حضرت وهي تدرك طبيعة كرة القدم القائمة على احتمالات الفوز أو التعادل أو الخسارة. وحتى الفرق العريقة، التي تزخر بالنجوم وتحمل في سجلها عدداً كبيراً من الألقاب القارية، خاضت مبارياتها بهدوء وتقبلت النتائج دون ضجيج أو احتجاجات مبالغ فيها أو استعراضات إعلامية مفتعلة. كما عبّرت هذه المنتخبات عن ارتياحها لمستوى التنظيم، وجودة الإقامة، ودفء الاستقبال، إضافة إلى التفاعل الإيجابي مع الجماهير داخل الملاعب وخارجها، في الفنادق والطرقات والفضاءات العامة.

وسارت الصحافة المرافقة لهذه المنتخبات على النهج ذاته، حيث قامت بدورها المهني بنزاهة واتزان. فقد نقلت أجواء البطولة، وناقشت الأداء الفني بموضوعية، وانتقدت عند الحاجة دون اللجوء إلى اختلاق الوقائع أو التلاعب بالصور، ودون تحميل التحكيم أو القرعة مسؤولية كل تعثر. وكان هناك توازن واضح بين متطلبات العمل الصحفي والاستمتاع بمتابعة نسخة ناجحة من البطولة القارية.

غير أن هذا المشهد الإيجابي لم يخلُ من استثناء لافت. فمع اقتراب الأدوار المتقدمة وعودة الحديث عن نتائج القرعة الأولى، عادت أصوات الشكوى والاتهام إلى الواجهة، وبرز مجدداً خطاب “المؤامرة” الجاهز، الذي يُستدعى عند أول إحساس بالخطر أو خشية الإقصاء.

خطاب متناقض يروّج للثقة والقوة، لكنه في الواقع يبحث عن الطريق الأسهل، والمنافس الأضعف، والسيناريو الخالي من المفاجآت. وعندما لا تسير الأمور وفق هذه التطلعات، تصبح المبررات جاهزة: تحكيم غير منصف، قرعة موجهة، أو تنظيم مشكوك فيه.

ورغم محاولات التفهم أو التبرير، يتكرس في النهاية اقتناع راسخ بأن الخلل لا يكمن في البطولة ولا في تنظيمها، بل في العقليات. وفي سياق هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا، لم يعد هذا الخطاب التذمري مقنعاً لأحد، بعدما أصبح متوقعاً ومكرراً ومستهلكاً.

وفي مثل هذه الأجواء، قد يبدو الإقصاء أحياناً أقل الأضرار، ليس فقط بالنسبة للمنتخب المعني، بل أيضاً للمتابعين، حتى تتوقف هذه السرديات المكرورة، وتعود كرة القدم إلى جوهرها الحقيقي: لعبة وتنافس ومتعة، لا ساحة دائمة لتصفية الحسابات وبناء أوهام المؤامرة.