جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

أضحت “التفاهة” من أكثر المفاهيم تداولًا في النقاش العمومي، خاصة مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحوّل المحتوى الخفيف والسطحي إلى مادة يومية تحصد نسب مشاهدة مرتفعة، مقابل تراجع الاهتمام بالمضامين الفكرية والثقافية. هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت التفاهة تعبيرًا عن الحرية الفردية، أم انعكاسًا لتحولات اجتماعية أعمق.
من زاوية سوسيولوجية، يرى باحثون أن التفاهة ليست مجرد اختيار شخصي، بل نتيجة مباشرة لتحولات المجتمع الاستهلاكي، الذي يقوم على السرعة والفرجة والبحث عن الإثارة. ففي هذا السياق، يصبح المحتوى البسيط وسيلة للاندماج داخل الفضاء الرقمي، واكتساب الاعتراف الاجتماعي، خصوصًا في ظل منطق “الترند” الذي يكافئ الأكثر انتشارًا لا الأكثر قيمة.
ويذهب مختصون إلى أن هذا النوع من التعبير يعكس، في أحيان كثيرة، حالة من الإحباط الاجتماعي أو الرغبة في الهروب من الضغوط اليومية، حيث تُستعمل السخرية والمبالغة كآليات للتنفيس، وليس بالضرورة كدليل على فراغ فكري أو انعدام الوعي.
ورغم ارتباط التفاهة بحرية التعبير، إلا أن هذا الربط يظل محل نقاش. فحرية التعبير، كما يؤكد فاعلون في الحقل الثقافي، لا تعني إفراغ الفضاء العمومي من المعنى، ولا تبرر تحويل السطحية إلى نموذج سائد. وعندما تتحول التفاهة إلى ظاهرة عامة، فإنها تصبح مؤشرًا على اختلال في منظومة القيم والمعايير الثقافية.
من المنظور الديني، يُنظر إلى هذه الظاهرة من زاوية المسؤولية الأخلاقية للإنسان. فالدين الإسلامي يكرّس قيمة العقل، ويدعو إلى القول الحسن والعمل النافع، دون أن يمنع الترفيه أو التعبير الحر. غير أن الإشكال، بحسب فقهاء وباحثين، يكمن في التفاهة التي تفرغ الإنسان من المعنى، أو تروّج للاستهزاء بالقيم، أو تساهم في نشر السلوكيات السلبية داخل المجتمع.
ويُميز هذا المنظور بين الترفيه المشروع، الذي يخفف عن النفس ويقوّي الروابط الاجتماعية، وبين التفاهة التي تقوم على العبث والفراغ القيمي، معتبرًا أن الكلمة والسلوك يحملان دائمًا أبعادًا أخلاقية وتأثيرات اجتماعية.
ويرى متابعون أن خطورة التفاهة لا تكمن في وجودها، بل في تحولها إلى خطاب مهيمن، يهمّش المعرفة، ويعيد ترتيب سلم القيم، حيث تُكافأ السطحية أكثر من الاجتهاد، ويُحتفى بالشهرة السريعة بدل الكفاءة.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح السؤال حول دور الأسرة، والمدرسة، والإعلام، في ترسيخ ثقافة النقد والتمييز بين الحرية المسؤولة والتعبير الذي يفرغ المجتمع من مضمونه القيمي.
بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، تبقى التفاهة مرآة لتحولات عميقة يعيشها المجتمع، ما يستدعي نقاشًا هادئًا ومتوازنًا، يعيد الاعتبار للمعنى دون مصادرة الحق في الاختلاف أو التعبير.
