جريدة أرض بلادي *بقلم الباحث :حبيل رشيد*.

يقول كارل فون كلاوزفيتز:
“حين يشتدّ ضباب الوقائع وتتزاحم الاحتمالات وتضطرب الحسابات، يظهر القائد الذي يمتلك صفاء البصيرة ورباطة الجأش؛ فيحوّل ارتباك اللحظة إلى نظام، ويقود الأحداث بخيط رفيع من الحكمة نحو غاية بعيدة تتجاوز صخب الميدان.”
بقلم: حبيل رشيد
تتشكّل تجربة السيد فؤاد عالي الهمة داخل بنية الدولة المغربية بوصفها إحدى التجارب التي تكثّف معنى الحكامة الاستراتيجية في بعدها العميق، حيث يتقاطع العمل المؤسسي الهادئ مع التفكير البعيد المدى، وحيث تنضج الرؤى في فضاءات التأمل السياسي قبل أن تتحول إلى مسارات فعل داخل الدولة. فالمسار الذي عبره الرجل عبر عقود من العمل الإداري والمؤسساتي أفرز خبرة مركبة تتداخل فيها المعرفة الدقيقة بالبنية المجالية للمغرب مع قدرة تحليلية متأنية على قراءة التحولات السياسية والاجتماعية التي تعبر المجتمع. ومن ثم فإن هذا المسار لا يُقرأ باعتباره مجرد انتقال بين مواقع المسؤولية، وإنما باعتباره تراكمًا معرفيًا وسياسيًا تبلورت داخله رؤية خاصة لطبيعة الدولة ولإيقاع اشتغالها في زمن التحولات الكبرى.
تفتح هذه التجربة نافذة لفهم الطريقة التي تتبلور بها الحكامة الاستراتيجية داخل الدول الحديثة، حيث يتحول القرار العمومي إلى عملية تركيبية معقدة تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية مع التوازنات السياسية ومع الإيقاعات الاجتماعية المتحركة. فالدولة في عالم اليوم لم تعد مجرد جهاز إداري يدير الملفات اليومية، وإنما كيان مركب تتحرك داخله شبكات من التفكير والتخطيط والاستشراف، شبكات تعمل في صمت وتنسج خياراتها على مهل، حتى يبدو القرار النهائي وكأنه نتيجة طبيعية لمسار طويل من التأمل والتحليل.
وقد تبلورت خبرة السيد فؤاد عالي الهمة في بداياتها داخل فضاء الإدارة الترابية، ذلك الفضاء الذي يشكل المدرسة الحقيقية لفهم الدولة من داخلها المجالي. فهناك، في تماس مباشر مع الأقاليم والجهات ومع تنوع البنيات الاجتماعية والاقتصادية، تتكشف للفاعل العمومي طبقات الواقع المغربي بكل تعقيداته وتوازناته الدقيقة. ومن خلال هذا الاحتكاك الميداني الطويل تنمو القدرة على قراءة المجتمع قراءة مركبة تتجاوز الانطباع السريع نحو فهم أعمق لحركته الداخلية… فهم يجعل القرار الإداري نفسه جزءاً من معادلة اجتماعية وسياسية أشمل.
ومع تراكم هذه الخبرة تحوّل المسار المهني للسيد فؤاد عالي الهمة إلى رصيد استراتيجي داخل بنية التفكير العمومي، رصيد يسمح بقراءة المشهد الوطني ضمن لوحة أوسع من العلاقات المتشابكة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد. فالحكامة الاستراتيجية تقوم في جوهرها على القدرة على رؤية الصورة الكلية… تلك الصورة التي تتجاوز التفاصيل اليومية نحو البنية العميقة للأحداث.
كتب المفكر الاستراتيجي البريطاني باسيل ليدل هارت أن الاستراتيجية الحقيقية تقوم على فن ترتيب الأحداث بطريقة تجعل النتائج تتشكل بهدوء ومن دون صدامات مباشرة. وهذه الفكرة تقترب كثيراً من فلسفة التدبير العميق داخل الدول التي تفضّل العمل الهادئ المتدرج على القرارات المتسرعة التي تولد تحت ضغط اللحظة.
في هذا الإطار تبرز الحكامة الاستراتيجية بوصفها نوعاً من العمارة السياسية التي تُبنى حجراً فوق حجر عبر تراكم الخبرة والتجربة. فالدولة التي تفكر في المستقبل تحتاج إلى عقول قادرة على تحويل المعطيات المتفرقة إلى رؤية متماسكة، وعلى قراءة التحولات الدولية والإقليمية ضمن أفق استشرافي واسع. وهذه المهمة لا تتحقق عبر الخطاب السياسي اليومي، وإنما عبر عمل مؤسسي طويل يشتغل في العمق حيث تتشكل الخيارات الكبرى.
لقد عرف المغرب خلال العقدين الأخيرين تحولات متعددة شملت مجالات الإصلاح المؤسسي والتنمية الاقتصادية وإعادة صياغة موقع المملكة داخل محيطها الإقليمي والدولي. هذه التحولات ترافقت مع نمط من التفكير السياسي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار والإصلاح، بين الحذر الاستراتيجي والطموح التنموي. ومن داخل هذه الدينامية برزت الحاجة إلى حكامة استراتيجية قادرة على توجيه السياسات العمومية ضمن رؤية متماسكة تستوعب تعقيد المرحلة.
إن الدولة في لحظات التحول التاريخي تحتاج إلى ما يشبه البوصلة الفكرية التي توجه القرار وتضبط إيقاع الحركة. هذه البوصلة لا تتجسد في شخص واحد أو مؤسسة بعينها، وإنما تتشكل عبر شبكة من العقول والخبرات التي تتفاعل داخل بنية الدولة. ومن داخل هذه الشبكة يبرز دور الشخصيات التي راكمت خبرة طويلة في فهم الدولة وفي قراءة توازناتها الداخلية.
وقد كتب المفكر السياسي الفرنسي ريمون آرون أن الدول التي تنجح في عبور التحولات الكبرى هي تلك التي تمتلك القدرة على التفكير الهادئ وسط العواصف. فالتاريخ لا يكافئ الانفعال بقدر ما يمنح فرصه لمن يحسن قراءة الزمن ويستوعب إيقاعه المتغير.
ضمن هذا الأفق تتخذ الحكامة الاستراتيجية معناها العميق داخل التجربة المغربية، حيث يتحول التدبير العمومي إلى عملية تركيبية تجمع بين الرؤية السياسية والاستشراف الاقتصادي والتحليل الاجتماعي. ومن داخل هذا التركيب المعقد تتشكل القرارات الكبرى التي ترسم مسار الدولة في المدى الطويل.
وتكشف تجربة السيد فؤاد عالي الهمة عن نموذج للفاعل المؤسسي الذي يتحرك داخل هذا العمق الهادئ للدولة، عمق تتشكل فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى سياسات، وتُنضج فيه الخيارات قبل أن تظهر في الفضاء العمومي. فالدولة الحديثة لا تقوم على ردود الفعل الآنية، وإنما على قدرة مستمرة على التفكير والاستشراف وإعادة ترتيب الأولويات.
وهكذا تبدو الحكامة الاستراتيجية داخل المغرب جزءاً من دينامية أوسع تسعى إلى بناء نموذج تدبيري يجمع بين الاستقرار السياسي والدينامية التنموية. نموذج يقوم على قراءة طويلة الأمد للتحولات الدولية والإقليمية، وعلى تحويل هذه القراءة إلى سياسات عمومية قادرة على تعزيز موقع المملكة داخل محيطها المتغير.
ومن هذا المنظور يكتسب مسار السيد فؤاد عالي الهمة دلالته داخل النقاش العمومي المغربي… دلالة ترتبط بفكرة الدولة التي تفكر بهدوء، وتخطط بعمق، وتنسج خياراتها ضمن أفق استراتيجي يتجاوز حدود اللحظة نحو زمن أطول وأبعد. فالدول التي تبني مستقبلها لا تتحرك وفق إيقاع الصدفة، وإنما وفق هندسة دقيقة للعقل السياسي الذي يقرأ العالم بعين متبصرة ويصوغ القرار بحكمة وروية.
