جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لم تعد نهائيات كأس الأمم الإفريقية مجرّد مباريات تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّلت إلى محطات كاشفة لتحوّلات أعمق تعرفها كرة القدم الإفريقية على مستوى التنظيم، الجمهور، والإعلام. وبين نهائي كأس إفريقيا 2004 بتونس والرهانات المطروحة على نهائي كأس إفريقيا 2025 بالمغرب، تتبدّى بوضوح ملامح انتقال نوعي في تصور القارة لبطولتها الأبرز.
في نهائي تونس 2004، الذي جمع المنتخب التونسي بنظيره المغربي، طغى الطابع الرياضي الصرف على المشهد العام. مباراة حُسمت بتفاصيل تقنية دقيقة، وجمهور متفاعل لكنه منضبط، ظلّ حضوره داعمًا دون أن يتحول إلى عنصر ضغط خارج السياق. كما أن التغطية الإعلامية، آنذاك، كانت تقليدية في أدواتها، تنقل الحدث أكثر مما تصنعه، وهو ما منح النهائي هدوءًا نسبيًا ووضوحًا في القراءة الرياضية.
ورغم النجاح التنظيمي الذي رافق نسخة 2004، ظلّ النهائي محصورًا في بعده التنافسي، دون استثمار واسع في رمزيته القارية أو في تسويق الصورة الإفريقية على الصعيد الدولي. فقد كانت الكرة الإفريقية آنذاك ما تزال بعيدة عن منطق “الحدث الشامل”، الذي يجمع بين الرياضة والاقتصاد والصورة.
في المقابل، يراهن المغرب، من خلال تنظيم كأس إفريقيا 2025، على تقديم نموذج مختلف للنهائيات القارية. فالتصور المطروح لا يتوقف عند المباراة النهائية، بل يشمل بنية تحتية حديثة، ملاعب بمعايير دولية، فضاءات جماهيرية موازية، وحضورًا إعلاميًا رقميًا كثيفًا يجعل من النهائي المرتقب حدثًا يتجاوز حدود الملعب.
هذا التحول يعكس انتقال الكرة الإفريقية من منطق المنافسة الرياضية المحدودة إلى منطق الصناعة الرياضية، حيث بات النهائي واجهة دبلوماسية ناعمة، ورسالة تنظيمية، وفرصة لتثبيت صورة البلد المنظم داخل القارة وخارجها.
غير أن هذا التطور، رغم مكاسبه الواضحة، يطرح تحديات حقيقية، في مقدمتها كيفية ضبط التوازن بين الفرجة والانضباط، وبين الحماس الجماهيري وروح المنافسة. فقد أظهرت تجارب قارية سابقة أن تضخم البعد الاحتفالي قد يُربك أحيانًا جوهر اللعبة، ويحوّل بعض التفاصيل التحكيمية أو السلوكية إلى قضايا رأي عام.
بين نهائي تونسي هادئ سنة 2004 ونهائي مغربي مرتقب سنة 2025، تبدو كرة القدم الإفريقية وقد قطعت شوطًا كبيرًا في مسار التحديث، لكنها تجد نفسها في الآن ذاته أمام اختبار النضج. فنجاح النهائي المقبل لن يُقاس فقط بجمالية التنظيم أو قوة الحضور الجماهيري، بل بقدرة القائمين عليه على الحفاظ على روح التنافس النزيه، وتقديم صورة حضارية تعكس تطور كرة القدم الإفريقية داخل الملعب وخارجه.
