تمكين المجتمع بالمرأة: رؤية ملكية رائدة في قلب التحديات العالمية والعدالة المناخية

                 هيئة التحرير -جريدة أرض بلادي 

                        كلمة السيدة نصيرة بنيوال

رئيسة المنظمة المغربية لأصدقاء مرضى السكري للتوعية والتدبير

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة – 8 مارس 2026

       بوجدة – دار فجيج ـخيمة الاتحاد

     بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

السيدات والسادة الأفاضل، نخبة الفكر والنضال في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حضورنا الكريم بصفاتكم وسماتكم ومواقعكم النضالية،

إنه لمن دواعي اعتزازي وفخري أن أحل اليوم ضيفة في رحاب “خيمة الاتحاد” بوجدة الأبية، هذه القلعة المناضلة الوفية لمبادئها التاريخية. وأود بداية أن أتوجه بآيات الشكر والامتنان للسيد الدكتور عمر أعنان، النائب البرلماني والكاتب الإقليمي للحزب بوجدة، على دعوته الكريمة، كما أحيي كافة المناضلين والمناضلات الذين أبدعوا في تنظيم هذا اللقاء الذي يفوح بعطر “الوردة” الاتحادية في دار فجيج.

نلتقي اليوم في هذه المناسبة العالمية، لا لنكرر المحفوظ من الشعارات، بل لنسائل جوهر الوجود الحضاري للأمم؛ فالتاريخ يا سادة لا يدون منجزات الدول بمدى وفرة مواردها، بل بعمق “أنسنة” مساراتها التنموية، وبقدرتها على تحرير الذكاء الجمعي من قيد التمييز. إن قضية المرأة لم تعد مطلبا فئوييا، بل هي ميزان العدالة في أسمى تجلياتها.

إن قضية المرأة في المغرب، بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم تعد مجرد ملف حقوقي معزول، بل أصبحت العمود الفقري لاستراتيجية الصمود الوطني. فبينما يصارع المغرب لتجاوز خط الفقر المائي، الذي يقل عن 500 متر مكعب للفرد سنويا، تبرز المرأة المغربية كأول المستجيبين وأكثر المتأثرين، مما يجعل تمكينها ضرورة وجودية لا ترفا فكريا.

ونحن نرصد المشهد العالمي الدولي في مطلع هذا العام 2026، نجد أنفسنا أمام مفارقة الكفاءة وفجوة الاعتراف؛ فبينما تشغل النساء منصب رئاسة الدول أو الحكومات في 26 دولة فقط، ورغم انضمام دول كاليابان وناميبيا وسورينام لهذه القائمة لأول مرة في تاريخها، لا تزال الفجوة الجندرية قائمة في أعلى هرم السلطة. وإذا كانت النسبة العالمية للنساء في البرلمانات قد بلغت 27.5%، فإن التحدي الاقتصادي والمناخي يضرب النساء بقوة أكبر؛ حيث لا تزال المرأة تتقاضى عالميا 83 سنتا فقط مقابل كل دولار يتقاضاه الرجل، وتواجه خطر “تأنيث الفقر” الذي قد يطال 158 مليون امرأة إضافية بحلول 2050.

وهنا يبرز مفهوم “فقر الوقت” كعائق بنيوي، خاصة في المناطق القروية، حيث تستهلك ندرة الموارد ساعات طوال من يوم المرأة، مما يحرم الاقتصاد من طاقات مبدعة. ومن هذا المنطلق، فإن السياسات الوطنية المرتبطة بالانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر والحماية الاجتماعية، تمثل فرصة تاريخية لإدماج النساء في سلاسل القيمة المستدامة، وتعزيز مشاركتهن في صناعة القرار البيئي، بما يجعل من “العدالة المناخية” رافعة حقيقية للعدالة الاجتماعية الشاملة.

وأمام هذا الواقع، يسطع “الاستثناء المغربي” بحكمة وتبصر رائد التحديث، جلالة الملك محمد السادس، حامي الحقوق والحريات. لقد أرسى جلالته رؤية حكيمة واستراتيجية محنكة، ندرك من خلالها يقينا أن تطلعات جلالته السامية تهدف بالأساس إلى “تمكين المجتمع بالمرأة” بجعل كرامتها شرطا للتنمية. وهذا ما نعيشه اليوم استمرارا لمنجزات مدونة 2004 ودستور 2011، ووصولا إلى الورش الملكي الحالي لتعديل المدونة، في مسار طموح يضمن كرامة المرأة وكيان الأسرة، في إطار احترام الثوابت الوطنية ومقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.

لقد انتقلنا في المملكة من مرحلة العدد إلى مرحلة الريادة التشريعية؛ فآلية “الكوتا” لم تكن غاية في حد ذاتها، بل كانت لبنة ضرورية وصمام أمان لتصحيح اختلال تمثيلي تاريخي، مكن المرأة من ولوج البرلمان بنسبة بلغت 24.3%. واليوم، لم تعد الكوتا “سقفا” يحد من طموحنا، بل أصبحت منطلقا أبدعت من خلاله المرأة المغربية، حيث أصبحت هي من يصيغ قوانين البيئة والماء والأسرة، محولة صوت المعاناة إلى نص قانوني حام. وفي طريقنا نحو هدف 52% من الطاقة المتجددة بحلول 2030، تقود المهندسات والمسؤولات المغربيات كبريات المشاريع في “نور” والهيدروجين الأخضر، مما يثبت أن ذكاء المرأة هو الوقود الحقيقي للمستقبل. كما أن المملكة، عبر دعم التعاونيات، حولت المرأة القروية من متأثرة بالجفاف إلى رائدة في التكيف، عبر مشاريع الفلاحة المستدامة والاقتصاد التضامني.

وفي هذا اليوم العالمي العظيم، نجدد العهد على أن نظل أوفياء لهذه الرؤية الملكية السامية التي جعلت من كرامة الإنسان جوهر المشروع المجتمعي للمغرب. ونرفع أسمى عبارات الإجلال والوفاء إلى مقام صاحب الجلالة، رائد مسار التحديث والإصلاح، الذي ما فتئ يؤكد على تعزيز مكانة المرأة باعتبارها شريكا أساسيا في بناء مغرب التقدم والكرامة والعدالة الاجتماعية.

تحية فخر وإجلال لصانعات الحياة عبر العالم، وللمرأة الأفريقية و المغربية في كل مواقعها و مجلات عطائها ، وللمرأة القروية الصامدة، وللمناضلة الاتحادية بوجدة …

 ونستذكر في ختام هذه الكلمة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما النساء شقائق الرجال”، مؤكدين أننا سنظل لتطلعات المرأة المغربية “السند لا السد”.

     حفظ الله المغرب ملكا وشعبا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأستاذة نصيرة بنيوال