2025.. المغرب يرسخ موقعه كقوة إقليمية ويعيد تشكيل موازين التأثير الدولي

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لم تكن سنة 2025 محطة عابرة في المسار الدبلوماسي للمغرب، بل شكلت منعطفًا استراتيجيًا فارقًا أعاد رسم خريطة النفوذ في شمال إفريقيا، ووسّع من هامش التحرك السياسي للمملكة على المستويين الإقليمي والدولي. فقد انتقل المغرب خلال هذه السنة من موقع الدفاع عن شرعيته التاريخية إلى منطق المبادرة وصياغة قواعد جديدة للتفاعل الجيوسياسي.

في عالم تتسم علاقاته الدولية بالتقلب وعدم اليقين، برز المغرب كفاعل يتمتع برؤية واضحة منذ مطلع العام، وأنهاه بتحقيق مكاسب ملموسة تجلت في قرارات أممية، ومواقف دولية صريحة، وأفق استراتيجي ممتد من الصحراء المغربية إلى الفضاء الأطلسي، وصولًا إلى العمق الإفريقي والشراكة الأوروبية.

قرار أممي مفصلي

أبرز محطات هذا التحول سجلت يوم 31 أكتوبر 2025، حين اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797 بأغلبية 11 صوتًا، مقابل امتناع ثلاث دول هي روسيا والصين وباكستان، دون تسجيل أي اعتراض، في وقت غابت فيه الجزائر عن التصويت.

ولم يقتصر هذا القرار على التمديد التقني لولاية بعثة “المينورسو”، بل حمل تحولًا نوعيًا في مقاربة مجلس الأمن لملف الصحراء، سواء على مستوى اللغة السياسية أو من حيث الجوهر.

للمرة الأولى، جرى تثبيت المبادرة المغربية للحكم الذاتي، المقدمة سنة 2007، بوصفها حلًا واقعيًا وجديًا وذا مصداقية، مع دعوة واضحة لتجاوز خيارات ثبت استحالة تطبيقها، وعلى رأسها خيار الاستفتاء الذي فقد وزنه السياسي والقانوني داخل أروقة الأمم المتحدة.

القرار عكس ثمرة مسار دبلوماسي طويل قادته الرباط بهدوء داخل أروقة نيويورك لأكثر من عقد، ليبلغ ذروته في خريف 2025، حيث اتضحت معالم الموقف الدولي بشكل غير مسبوق.

تقاطعات دولية داعمة

هذا التحول لم يكن معزولًا عن سياق دولي أوسع. فقد سبقه تراكم مواقف ثنائية وازنة، كان أبرزها إعلان المملكة المتحدة، في يونيو 2025، عقب حوار استراتيجي رسمي مع المغرب، اعتبار مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأنسب لتسوية النزاع.

هذا الموقف كرس تقاطعًا نادرًا بين ثلاث قوى دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، ما منح هذا التوجه ثقلاً دبلوماسيًا وقانونيًا بالغ الأهمية.

كما لحقت دول أوروبية أخرى بهذا المسار، من بينها البرتغال وبلجيكا، فيما جدّدت كل من إسبانيا وألمانيا تأكيد مواقفهما السابقة الداعمة للحكم الذاتي كحل وحيد واقعي.

في المقابل، بدت الجزائر خلال المشاورات السابقة للتصويت في موقع دفاعي، ساعية إلى تمرير تعديلات تخدم الطرح الانفصالي. غير أن خطابها المرتكز رسميًا على “حق تقرير المصير” فُسّر لدى العواصم المؤثرة باعتباره امتدادًا لصراع نفوذ إقليمي مع المغرب، أكثر منه حرصًا حقيقيًا على مستقبل الإقليم.

دعم أمريكي ثابت

على الجانب الأمريكي، لم تحمل سنة 2025 مفاجآت بقدر ما كرست استمرارية واضحة. فمنذ اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على صحرائه في ديسمبر 2020، حافظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على خط دعم ثابت لمبادرة الحكم الذاتي.

وفي 8 أبريل 2025، جدد وزير الخارجية الأمريكي هذا الموقف رسميًا، قبل أن يعززه بيان رئاسي في 2 أغسطس، ربط الدعم السياسي بآفاق اقتصادية واستثمارية، خصوصًا في مشاريع التنمية بالأقاليم الجنوبية.

وبذلك انتقل الموقف الأمريكي من مجرد إعلان سياسي إلى سياسة دولة راسخة، تتجاوز التغيرات الإدارية، وتدرج الصحراء المغربية ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى.

براغماتية أوروبية

المشهد الأوروبي ظل أكثر تعقيدًا، في ظل قرارات قضائية تتعلق بالاتفاقيات الفلاحية والبحرية، مقابل واقع سياسي يعترف بالمغرب كشريك لا غنى عنه في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والتجارة.

ومع حلول خريف 2025، اتجه الاتحاد الأوروبي نحو مقاربة عملية تتيح استمرار التعاون مع الرباط، عبر آليات تقنية جديدة تتعلق بالتتبع والوسم. وقد رفض البرلمان الأوروبي محاولات تعطيل الاتفاق الفلاحي الجديد، فيما منحت المفوضية الضوء الأخضر لاستئناف المفاوضات بشأن اتفاق صيد بحري محيّن.

هكذا، اختارت أوروبا إدارة معادلة دقيقة تجمع بين احترام المساطر القانونية والحفاظ على شراكة استراتيجية حيوية.

البعد الأطلسي والتحول الإفريقي

بعيدًا عن نيويورك وبروكسل، واصل المغرب بناء جبهة استراتيجية أخرى. فمنذ الخطاب الملكي في 6 نوفمبر 2023، طُرحت ملامح “المبادرة الأطلسية”، لتدخل سنة 2025 مرحلة التنفيذ الفعلي.

في 28 أبريل، احتضنت الرباط اجتماعًا محوريًا ضم وزراء خارجية مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بهدف تسريع ولوج هذه الدول غير الساحلية إلى المحيط الأطلسي عبر الأراضي المغربية.

لم يعد الأمر مجرد تصور دبلوماسي، بل مشروع متكامل يرتكز على ميناء الداخلة الأطلسي المرتقب، وأنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، وممرات لوجستية وتجارية جديدة، تجعل من المملكة بوابة بحرية لدول تبحث عن منافذ اقتصادية خارج انسداداتها الجغرافية والسياسية. كما شكلت هذه المبادرة ردًا جيوسياسيًا على التحولات العميقة التي يعرفها الساحل الإفريقي.

الصحراء من ملف نزاع إلى رافعة استراتيجية

في العمق، أعادت سنة 2025 تعريف موقع الصحراء المغربية، التي انتقلت من كونها ملف نزاع إلى محور استراتيجي. فبالتوازي مع الاعترافات السياسية، جرى ترسيخ أسس اقتصادية تجعل الأقاليم الجنوبية نقطة وصل بين إفريقيا والفضاء الأطلسي، عبر مشاريع كبرى في الموانئ والطاقة والنقل البحري.

ولم تغب القوة الناعمة عن هذا المشهد؛ إذ عزز تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025، بإشادة واسعة، صورته كدولة مستقرة وقادرة على تنظيم تظاهرات كبرى. كما أضاف إدراج القفطان المغربي ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية بعدًا ثقافيًا لهذا الحضور الدولي.

حصيلة عام التحول

مع نهاية 2025، يبرز المغرب كحامل لمعطى سياسي جديد: مجلس أمن يقر ضمنيًا بالحكم الذاتي كإطار واقعي وحيد، قوى كبرى متقاربة في مواقفها، أوروبا مضطرة إلى البراغماتية، إفريقيا ترى في المملكة شريكًا أطلسيًا استراتيجيًا، ومشروع جيوسياسي يتجه بثبات نحو المستقبل.

هكذا، سجلت سنة 2025 انتقال المغرب من موقع الدفاع إلى موقع إعادة صياغة قواعد اللعبة، في سياق دولي أثبتت فيه الرؤية الواضحة والاستمرارية الدبلوماسية قدرتهما على إنتاج نتائج ملموسة.