عشرون عاماً على غياب عزيز شهال: هل انكسرت مرآة الإنتاج الذاتي في التلفزيون المغربي؟

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

تمرّ خلال شهر أبريل الجاري الذكرى العشرون لرحيل المنتج والمنشط المتميز عزيز شهال، وهي مناسبة لا تستدعي فقط استحضار اسم طبع ذاكرة المشاهدين عبر برنامج “استوديو 5″، بل تفرض وقفة تأمل أمام الفراغ المؤسساتي والفني الذي خلفه رجل كان يرى المستقبل بعيون المبادرة لا بعيون الانتظار.

فلسفة الاختراق: من “المنتج المنفذ” إلى “المنتج المبادر”

في زمن كان فيه الإنتاج التلفزيوني يركن إلى ثقافة الانتظار وتلقي الدعم العمومي، اجترح عزيز شهال مساراً مغايراً تماماً. لم يكتفِ بدور المنفذ لطلبات العروض، بل أسس لمفهوم “الإنتاج الذاتي”. كانت رؤيته تتجاوز مجرد العمل الفني لتصل إلى بناء “مشروع اقتصادي” متكامل؛ فبدل انتظار التمويل، كان يخرج للبحث عنه في أروقة السوق الإشهارية، محولاً العملية الإبداعية من حالة التبعية إلى حالة الفعل والجرأة.

لقد كانت تجربة إدخال “السيتكوم” إلى الشاشة المغربية عبر شركة “سبيكتوب” بمثابة المختبر العملي لهذه الفلسفة. لم تكن الغاية مجرد ملء شبكة البرامج، بل إثبات أن الجودة الفنية هي استثمار رابح، وأن الاستقلال المالي هو الضامن الوحيد لاستمرار المبدع في تقديم رؤيته الخاصة بعيداً عن الإملاءات النمطية.

إرث المقاومة: شعلة لم تنطفئ ولكنها تواجه العزلة

بعد رحيله المفاجئ، لم يتوقف المشروع كلياً؛ إذ حملت أرملته، فاطمة بن كيران، المشعل مستندة إلى خبرة ميدانية طويلة. ونجحت في تقديم أعمال بصمت الذاكرة المغربية مثل “دار الورثة”، بل وذهبت بعيداً نحو السوق العربية والقنوات الدولية مثل (MBC). إلا أن هذا الصمود ظل يكتسي طابعاً فردياً، إذ افتقد لبيئة حاضنة تحول “نزعة المبادرة” من مجهود شخصي إلى نظام مؤسساتي مستدام.

واقع “الانتظارية”: عندما تصبح طلبات العروض قيداً

اليوم، وبعد مرور عقدين، يبدو أن المشهد الإنتاجي قد تراجع إلى الوراء. فبدل أن يتطور نموذج “الإنتاج الذاتي”، سقطت أغلب الشركات في فخ “الاطمئنان السلبي”. أصبحت وتيرة العمل محكومة بالروزنامة السنوية لطلبات العروض؛ يُنتج العمل حين يُطلب، ويصمت الجميع حين يغيب الدعم. هذا النمط أدى إلى تآكل روح الابتكار، وتحول الإنتاج إلى نشاط موسمي يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد.

بارقة أمل في جدار الجمود

وسط هذا الركود، تبرز تجارب قليلة تعيد إحياء روح شهال، كما حدث مؤخراً مع عمل “المرضي” الذي توج في مهرجان مكناس للدراما. هذا العمل لم ينتظر ضوءاً أخضر من قنوات القطب العمومي عبر المساطر التقليدية، بل نهض بمبادرة ذاتية وبحث عن ممولين ومستشهرين بشكل مستقل. هذه الخطوة تعيد طرح السؤال الجوهري: هل أزمة الإنتاج اليوم هي أزمة إمكانيات مادية، أم أنها في الحقيقة أزمة إرادة وغياب للجرأة؟

الاستنتاج: العودة إلى “عقلية شهال”

إن استحضار عزيز شهال اليوم لا يجب أن يقتصر على التأبين العاطفي، بل يجب أن يكون محاكمة للمنطق السائد في تدبير الشأن السمعي البصري. لقد ترك الرجل خلفه معادلة بسيطة لكنها عميقة: “أنتِج قبل أن يُطلب منك، وابحث عن جمهورك في السوق لا في المكاتب”.

إن غياب برامج الترفيه الكبرى وضعف التنوع الدرامي ليسا سوى نتاج لغياب تلك الروح المغامرة. والمشكلة الحقيقية لا تكمن في رحيل الأشخاص، بل في توقفنا عن التفكير بتلك الطريقة التي تجعل من الفن صناعة مستقلة وقوية.