التجارة الثلاثية الجديدة: حين يُباع مستقبل “البظان” في سوق النخاسة السياسية

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-


في القرون الماضية، خطّ التاريخ واحدة من أبشع صفحاته بما عُرف بـ “التجارة الثلاثية”؛ معادلة دنيئة كان وقودها البشر السود، يُختطفون من إفريقيا، يُقايضون بالتوابل والقطاني، ثم يُعاد بيعهم لأثرياء القارة الأمريكية كأدوات إنتاج بلا كرامة. ظنّ العالم المقيت أنه طوى تلك الصفحة، لكن المتأمل اليوم في واقع مخيمات تيندوف يدرك أن الجريمة لا تموت، بل تغير أقنعتها فحسب.
اليوم، وفي واضحة النهار، تُستنسخ هذه العملية الشنيعة على جنس عربي مسلم، حيث يُساق الأطفال والشباب الصحراوي من “أبناء البظان” ليتم توزيعهم مجاناً على عائلات أوروبية، تحت ذريعة “الاحتضان”، “الدراسة”، أو “العطل الصيفية”، في عملية تهجير مبطن تخدم مآرب غامضة وأجندات سياسية واقتصادية لأطراف تقتات على استمرار النزاع.

أقنعة إنسانية لـ “تجارة بشر” معاصرة
تحت مسمى “برامج الرعاية” الإنسانية، يُنتزع فلذات أكباد الصحراويين من أحضان أمهاتهم وبيئتهم الأصيلة، ليُلقى بهم في أحضان ثقافة مغايرة تماماً.
الطرف الأول (القيادة في تيندوف): تستخدم هؤلاء الأطفال كـ “عملة تبادل” لاستجداء العواطف والدعم المالي والسياسي من المنظمات الغربية.
الطرف الثاني (المستضيف الغربي): يحصل على مادة خام لتشكيل وعي جديد، أو للاستثمار الثقافي والسياسي بعيد المدى.
الضحية: طفل يُفرغ من هويته، وديناميكية مجتمعية تُفكك من الداخل.
إنها “المذلة الحسانية الأولى” عبر العصور؛ فكيف لـ “الصحراوي البظاني”، الذي عُرف تاريخياً بالأنفة، والاعتزاز بالدين، وحماية العِرض والنسل، أن يسمح بتصدير طفله ليرتمي في أحضان الغرب ليصنع به ما يشاء؟ كيف تحول هذا المجتمع المحافظ، في زمن “الادعاء الثقافي”، إلى بيئة تقبل بالتخلي عن أبنائها بالمجان؟
خنجر مسموم في خاصرة الوحدة الترابية للمملكة المغربية الشريفة
وحتى لا نغطي الشمس بالغربال، فإن هذا التهجير الممنهج وتغيير الوعي للأجيال الصاعدة ليس مجرد مأساة اجتماعية أو إنسانية، بل هو خنجر مسموم يُوجه مباشرة إلى صميم الوحدة الترابية للمغرب.
إن تفريغ المخيمات من الأطفال والشباب وإعادة صياغة عقولهم في الغرب، يهدف بالأساس إلى خلق جيل هجين يُستعمل مستقبلاً كأداة ضغط دائم ضد مصالح المغرب. هؤلاء الأطفال يُعاد شحنهم بإيديولوجيات عدائية ليكونوا وقوداً لصراع مفتوح على المدى البعيد، مما يشكل عقبة مباشرة أمام استكمال المغرب لوحدته واستقراره الإقليمي.


المطلوب: ديبلوماسية مغربية رزينة وهجومية
أمام هذا الخطر المحدق، لا يمكن للمغرب أن يكتفي بموقف المتفرج أو المندد عن بعد. إن القضية الوطنية تقتضي اليوم تفعيل ديبلوماسية رزينة، استباقية، ونافذة تأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد العميقة:
1. تعرية الملف حقوقياً: يجب نقل المعركة إلى المحافل الدولية والأممية لتصنيف هذه السلوكيات كشكل من أشكال “الاتجار بالبشر” وفصل الأطفال القسري عن عائلاتهم.
2. مخاطبة الدول المستضيفة: الضغط الديبلوماسي على الحكومات الأوروبية (خاصة إسبانيا وإيطاليا) لتشديد الرقابة على هذه الجمعيات التي تتحرك تحت غطاء إنساني مشبوه.
3. تنشيط القوة الناعمة: إبراز التناقض الصارخ بين ادعاءات الدفاع عن “الشعب الصحراوي” وبين الممارسة الفعلية التي تفرط في أطفال هذا الشعب وتتاجر بمستقبلهم.


الحرب اليوم لم تعد بالسلاح التقليدي فقط، بل بصناعة الوعي وبناء الأجيال. وإذا لم يستعد المغرب لمواجهة هذا الاختراق الثقافي والسياسي لأبناء الصحراء في الخارج، فإن التحديات على المدى البعيد ستصبح أكثر تعقيداً. حان الوقت لكسر هذه الحلقة المفرغة وإعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي.