الحَي الحسني بعد إسدال الستار على الانتخابات.

جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

​لم تكن محطة الانتخابات التشريعية بدائرة الحي الحسني مجرد محطة عابرة أُسدل الستار عليها بإعلان النتائج النهائية، بل شكلت منطلقاً لأسئلة عميقة لا تقل أهمية عن هوية الفائزين والخاسرين، يتقدمها سؤال التكلفة الحقيقية للمعركة الانتخابية ومن يتحمل فاتورة الاستقطاب السياسي. لقد شهدت الدائرة منافسة شرسة على المقاعد البرلمانية المخصصة لها، أفرزت خريطة انتخابية مغايرة للمحطات السابقة، حيث تصدر المشهد حزب العدالة والتنمية بحصيلة 9,263 صوتاً، متبوعاً بحزب الأصالة والمعاصرة بـ 4,908 أصوات، ثم حزب الاستقلال بـ 4,830 صوتاً. وفي المراتب الموالية، حل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ 3,426 صوتاً، يليه اليسار الديمقراطي بـ 3,153 صوتاً، ثم التقدم والاشتراكية بـ 2,778 صوتاً، بينما سجل التجمع الوطني للأحرار 1,492 صوتاً. هذه الحصيلة الرقمية تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول حجم الإنفاق الحقيقي للأحزاب واللوائح المتنافسة لتحقيق هذه المواقع، وما إذا كانت الكلفة الميدانية تتطابق مع التصريحات المحاسبية الرسمية.

​على صعيد التشكيلات السياسية، يبرز الاتحاد الاشتراكي الذي خاض الاستحقاق بوجه جديد نسبياً ومحسوب على الفاعلين الاقتصاديين بالمنطقة، حاصداً المرتبة الرابعة، وهو ما يستدعي من قيادته تدقيق حجم الكلفة الإجمالية للحملة ومصاريف المقرات، والتواصل، والإشهار، واللوجستيك، فضلاً عن تقييم تداعيات استقطاب وجوه جديدة ومنتخبين سابقين. وفي نفس السياق، خاض حزب التقدم والاشتراكية السباق بعودة اسم برلماني سابق ومعروف محلياً بعد مغادرته لفصيل سياسي آخر، ليحتل المرتبة السادسة، وهو ما يفرض التساؤل حول موارد إعادة بناء الحضور الانتخابي وشبكات الاستقطاب التنظيمي والسياسي، لاسيما في ظل إطلاق الحملة ميدانياً بحضور الأمانة العامة للحزب. أما التجمع الوطني للأحرار، فقد سجل تحولاً لافتاً بانتقاله من صدارة استحقاق 2021 برصيد 9,934 صوتاً إلى المرتبة السابعة في هذه المحطة بـ 1,492 صوتاً، مما يضع الحزب أمام قراءة تنظيمية ومالية صارمة حول طبيعة الموارد التي تم توبيلها وهل تناسبت فعلياً مع الحصيلة النهائية في صناديق الاقتراع.

​تتجاوز هذه الإشكالات مجرد العدديات الانتخابية لتلامس ظاهرة استقطاب الفاعلين المحليين والمنتخبين وما تمثله من قيمة سياسية ومالية تظل مطالبة بالشفافية الكاملة وتحديد المسؤوليات بين الحزب والمرشح والداعمين، بعيداً عن أي اتهامات مجانية وباعتبار أن الرأي العام المحلي من حقه إدراك مصادر تمويل الحملات وطرق تصريف الأموال. إن تفكيك هذه المعادلة يؤكد أن الحملة الناجحة لا تقتصر على ضخ الأموال وحدها، بل تتقاطع فيها عوامل التنظيم، والسمعة، والعمل الميداني، وثقة الناخبين، غير أن إخضاع المال الانتخابي لمشرط المساءلة والشفافية القانونية يظل الضمانة الأساسية لاصطباغ العمل الحزبي بالجدية المطلوبة. هكذا يبدو الحي الحسني اليوم مطالباً بكشف حقيقي للحساب يغادر مربع الشعارات إلى فضاء الأرقام الموثقة، لتكون المحطة المقبلة امتحاناً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات المنتخبة والفاعلين السياسيين على ترجمة الانتظارات التنموية للساكنة عبر حسابات واضحة وقابلة للمقارنة.