جريدة ارض بلادي

يقول الباحث الفرنسي ألكسيس دو توكفيل: “إن أعظم ما يميز المجتمعات الحية… أن تفهم ذاتها عبر الفكر… وأن تدرك أن السياسة ليست مجرد صراع على السلطة… وإنما هي معرفة دقيقة بالبشر… وبالقوى التي تحركهم… وبالأنظمة التي تصوغ مصائرهم… فحين يغيب الفهم يتحول الفعل إلى ارتباك… وحين يحضر العقل تصبح المؤسسات أكثر تماسكًا… ويصبح المستقبل أكثر قابلية للتصور… فالمجتمع الذي يفهم ذاته يمكنه اتخاذ القرارات الصائبة… ويمكن أن ينقل تجاربه عبر الأجيال… ويمكن أن يجعل من الدولة أداة للعدالة والتنمية… وليس مجرد منظومة للضبط والتحكم”…
في المشهد الأكاديمي المغربي، يبرز اسم الدكتور رشيد مقتدر كأحد الأصوات البحثية البارزة في مجال العلوم السياسية… حضور يربط بين البحث العلمي والتدريس الجامعي والتحليل النقدي للظواهر السياسية المعاصرة… وهو حضور يطمح إلى بناء معرفة دقيقة تتجاوز السطحيات، وتستند إلى أسس علمية ومنهجية متينة… فالدكتور مقتدر ارتبط اسمه منذ بداياته الأكاديمية بمحاولة فهم التحولات السياسية والاجتماعية في المغرب في إطار سياق شامل… سياق يجمع بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والثقافة… ويقرأ العلاقات بين السلطة والمجتمع بروح التحليل العلمي الدقيق…
مسار الدكتور مقتدر الأكاديمي غني بالإنجازات البحثية والتعليمية، فهو أستاذ جامعي في العلوم السياسية… وله مساهمات واضحة في النقاش العمومي حول قضايا الدولة، الديمقراطية، المجتمع المدني، وموقع المؤسسات في سياق التحولات السياسية المعاصرة… أسلوبه في البحث يعتمد على تحليل البنى العميقة للظواهر السياسية… ولا يكتفي بوصف الأحداث السطحية، بل يحاول الوصول إلى الأسباب والديناميات الخفية التي تشكل الواقع السياسي…كما أن اهتمامه بالعلوم السياسية يتجاوز التدريس الجامعي، ليشمل العمل البحثي الميداني، حيث يعمد إلى دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية عن قرب… ويجمع بين تحليل الوثائق الرسمية ومتابعة الأحداث على الأرض… هذا المزج بين البحث الميداني والتحليل النظري يمنحه قدرة على قراءة الواقع السياسي المغربي بشكل نقدي وموضوعي… ويجعله قادرًا على تقديم تفسيرات دقيقة للممارسات السياسية والمؤسساتية…وعلاوة على ذلك، فإن الدكتور رشيد مقتدر يركز في مقارباته على الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالدولة الحديثة… وإشكالات الديمقراطية… وتحولات المجال العمومي… وعلاقة المجتمع المدني بالسلطة… وهو اهتمام يزداد أهمية في ضوء التغيرات التي يشهدها المغرب والمنطقة، من حيث التوسع في مطالب المشاركة السياسية، والتحديات التي تواجهها الدولة في توفير الخدمات وتعزيز العدالة الاجتماعية…
وبالموازاة مع ذلك، فقد حرص الدكتور مقتدر على أن يكون حضور البحث العلمي مرتبطًا بالجامعة والمجتمع في الوقت نفسه… فهو يشارك بانتظام في الندوات الفكرية، واللقاءات الأكاديمية، والمشاريع البحثية المشتركة، حيث يقدم تحليلاته وتفسيراته للظواهر السياسية بأسلوب يعتمد على الأدلة، والمنطق، والتدرج في الطرح… وهو أسلوب يضمن وصول البحث العلمي إلى خارج القاعات الجامعية، ويجعله جزءًا من النقاش العام الذي يهم كل المواطنين…إن تجربة الدكتور مقتدر تؤكد أن البحث السياسي يحتاج إلى صبر معرفي… وإلى أدوات تحليلية دقيقة… وإلى قدرة على قراءة الواقع دون انفعال… ودون تسرع… فالمشهد السياسي في جوهره شبكة معقدة من المصالح والتوازنات والتحولات، ولا يمكن فهمه إلا عبر استخدام أدوات البحث العلمي الصحيحة، والالتزام بالمنهجية الأكاديمية، والتحلي بالموضوعية اللازمة…
كما أن حضوره الأكاديمي يمثل قيمة للجامعة المغربية التي تنتج باحثين قادرين على الإسهام في تطوير المعرفة السياسية… وإعادة الاعتبار للتحليل العلمي داخل النقاش العمومي… وإعادة رسم صورة السياسة كمعرفة وفهم ودراسة… وليس مجرد ممارسة أو شعارات… فهو مثال للباحث الذي يدرك أن إنتاج المعرفة جزء من مسؤولية المجتمع… وأن فهم السياسة مسؤولية تتطلب الدراسة والتأمل والتحليل المتأنّي…وتتضح مساهماته في المجال البحثي من خلال ما نشره من مقالات ودراسات متخصصة، إضافة إلى مشاركاته في مؤتمرات وورشات عمل، حيث يقدم رؤى تحليلية دقيقة حول الظواهر السياسية المغربية، ويقارنها أحيانًا بتجارب دولية… ويطرح أسئلة أساسية حول دور الدولة، ونوعية المؤسسات، وإمكانية تعزيز الديمقراطية، وتطوير آليات المشاركة المدنية والسياسية، بما يجعل تحليله مستندًا إلى التجربة العلمية والواقعية معًا…
وعلاوة على ذلك، فإن الدكتور رشيد مقتدر يولي اهتمامًا كبيرًا لقضايا الشباب والطلاب، حيث يسعى إلى توجيههم نحو البحث العلمي، وفهم السياسة بطريقة منهجية، وممارسة النقد البناء، وتطوير القدرة على التحليل المستقل، وهو ما يجعله قدوة لعدد كبير من الطلبة والباحثين في العلوم السياسية… ويعزز مكانة الجامعة كمركز لإنتاج المعرفة وفضاء للنقاش الحر والمستنير…وبالموازاة مع نشاطه الأكاديمي، يحرص الدكتور مقتدر على متابعة التطورات المجتمعية والسياسية في المغرب، وتحليلها وفق معايير علمية دقيقة… وهو ما يتيح له تقديم قراءة مستنيرة للسياسات العمومية… وتفسير تحولات المجتمع… ومتابعة ديناميات الحكم المحلي والوطني… ويجعل من مقارباته مصدرًا موثوقًا لفهم التحديات التي تواجه المغرب في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية…
كما أن اهتمامه بالتحولات المؤسسية والحوكمة في المغرب، يجعله قادرًا على ربط النظرية بالتطبيق، وإظهار كيف تؤثر القرارات السياسية على المجتمع… وكيف يمكن للبحث العلمي أن يساهم في تحسين الأداء المؤسسي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وخلق بيئة سياسية أكثر استقرارًا وفاعلية…
وفي سياق تطوير البحث العلمي، يركز الدكتور مقتدر على دمج المفاهيم الكلاسيكية في العلوم السياسية مع مستجدات العصر… مثل الديمقراطية التشاركية، وحوكمة المؤسسات، وحقوق الإنسان، والمواطنة الفعالة… ويستفيد من الأدوات الحديثة للتحليل المقارن، والمناهج الكمية والنوعية… وهو ما يمنح أعماله طابعًا حديثًا وقابلًا للتطبيق في السياق المغربي والإقليمي والدولي…
وبفضل هذه المقاربات، أصبح الدكتور رشيد مقتدر مرجعًا أكاديميًا للباحثين والطلاب على حد سواء… فهو يقدم رؤية متكاملة للسياسة كمجال معرفي… ويؤكد على ضرورة الجمع بين التحليل النظري والفهم الميداني… وبين البحث الأكاديمي والانخراط في الواقع… وهو ما يجعله نموذجًا للباحث الجامعي العصري الذي يوازن بين المعرفة والمسؤولية، وبين النظرية والممارسة…
إن مسار الدكتور رشيد مقتدر الأكاديمي يوضح أن إنتاج المعرفة العلمية لا يمكن أن يكون معزولًا عن المجتمع… وأن التحليل السياسي الناجح يعتمد على فهم العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر في السياسة… ويبين أن البحث العلمي هو أداة لفهم الواقع وتحسينه، وليس مجرد نشاط أكاديمي نظري…
وبالإضافة إلى ذلك، فإن حضوره الفكري يركز على تطوير القدرة النقدية لدى الطلاب والباحثين الجدد، وتحفيزهم على التفكير المستقل، والاعتماد على الأدلة في التحليل، وفهم السياقات المختلفة التي تتفاعل فيها السياسة مع المجتمع، وهو ما يساهم في بناء أجيال قادرة على التفكير النقدي، والمشاركة الفعالة، والمساهمة في تحسين الأداء المؤسساتي والسياسي…
كما أن الدكتور رشيد مقتدر يشدد على أهمية السياق التاريخي في فهم التحولات السياسية، حيث يرى أن السياسة الحالية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن تطورات الماضي… وأن فهم الديناميات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ضروري لتحليل السلوك السياسي… وأن المعرفة الدقيقة بالواقع الاجتماعي والسياسي تمكن الباحث من تقديم توصيات علمية وموضوعية يمكن أن تفيد صناع القرار…
إن الجمع بين البحث الأكاديمي والتحليل النقدي للواقع السياسي يجعل من أعمال الدكتور رشيد مقتدر مصدرًا مهمًا لفهم السياسة المغربية، وفهم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، ويبرز الدور الحيوي للباحث الجامعي في إنتاج معرفة قادرة على التأثير في السياسات العمومية والمجتمع المدني، وفي بناء مؤسسات أكثر فعالية وشفافية…
وعلاوة على ذلك، فإن مقاربته للعلوم السياسية تعكس التزامًا عميقًا بأهمية البحث العلمي كأداة لتغيير الواقع وتحسينه، حيث يسعى دائمًا إلى تقديم رؤى واضحة ومقترحات عملية تستند إلى التحليل الموضوعي والدراسة الدقيقة، وهو ما يجعله باحثًا فاعلًا في الحقل الأكاديمي والمجتمعي على حد سواء…
وبالموازاة مع كل ذلك، فإن الدكتور رشيد مقتدر يمثل مثالًا للباحث الذي يربط بين التدريس الجامعي، والبحث العلمي، والانخراط في النقاش العام، ما يخلق مساحة فكرية متكاملة… مساحة يمكن للطلاب والباحثين من خلالها فهم السياسة كعلم، والسياسة كممارسة، والسياسة كأداة للتغيير الاجتماعي… وهو التوازن الذي يعطي حضوره الأكاديمي قيمة استثنائية…
إن مسار الدكتور رشيد مقتدر يعكس بوضوح أن الفهم العميق للسياسة يحتاج إلى أدوات علمية دقيقة، وإلى صبر معرفي طويل، وإلى متابعة دقيقة للواقع الملموس، وإلى القدرة على ربط النظرية بالممارسة، وهو ما يجعل أبحاثه ومقاربته للعلوم السياسية نموذجًا يحتذى به داخل الجامعة وخارجها…
وبهذا، يمكن القول إن الدكتور رشيد مقتدر يمثل حالة استثنائية للباحث المغربي المعاصر الذي يمزج بين البحث والتحليل والتدريس والمشاركة المجتمعية، ويظهر أن السياسة كعلم وفكر وممارسة يمكن أن تصبح أكثر وضوحًا وفاعلية حين يُقرأ الواقع بعين الباحث، ويُفهم التاريخ بعين العالم، ويُحلل الحاضر بعين الموضوعية، ويُخطط للمستقبل بعين التقدير العلمي الدقيق…
