حين تتحول حوادث السير إلى مآسٍ.. المسؤولية قبل الشهرة

جريدة ارض بلادي -بقلم: هيئة التحرير

ليست حوادث السير مجرد أرقام تُسجل في حصيلة يومية، ولا أخباراً عابرة تتصدر العناوين ثم تختفي من ذاكرة الرأي العام، بل هي مآسٍ إنسانية تترك وراءها أسراً مفجوعة وأحلاماً تنتهي في لحظة، وتطرح من جديد أسئلة جوهرية حول السلامة الطرقية، واحترام القانون، ومدى استشعار الأفراد لمسؤولياتهم تجاه حياة الآخرين.

وفي هذا السياق، أعادت حادثة السير المميتة التي شهدها إقليم إفران، وأسفرت عن وفاة عنصر من القوات المساعدة، النقاش حول خطورة حوادث الطرقات وما تفرضه من ضرورة التعامل بجدية مع كل سلوك قد يهدد سلامة مستعملي الطريق. وقد أمرت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بأزرو بإيداع صانع محتوى معروف على منصة «تيك توك»، يلقب بـ«الشكح»، السجن المحلي بأزرو، على خلفية هذه القضية، وذلك عقب الأبحاث التمهيدية التي باشرتها عناصر الدرك الملكي.

إن خطورة مثل هذه الحوادث تكمن في أن الخسارة البشرية لا يمكن تعويضها، وأن خلف كل ضحية أسرة تفقد أحد أفرادها، ومحيطاً اجتماعياً يتأثر بغيابه. لذلك، فإن احترام قانون السير ليس مجرد التزام قانوني تفرضه الدولة، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقتضي من كل سائق إدراك أن الطريق فضاء مشترك، وأن أي استهتار بقواعد السلامة قد تكون له عواقب مأساوية.

ومن جهة أخرى، تفرض هذه الواقعة التأمل في مسؤولية صناع المحتوى الذين يحظون بمتابعة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. فالشعبية الرقمية، مهما بلغ حجمها، لا تمنح أصحابها امتيازاً خارج القانون، كما أن الشهرة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للتأثير في مسار القضايا أو إصدار أحكام مسبقة بشأنها. فالمعيار الحقيقي هو احترام القانون وتحمل المسؤولية، مع الاحتفاظ لكل شخص بحقه في محاكمة عادلة.

وفي المقابل، ينبغي التعامل مع القضية بعيداً عن منطق التشهير أو الإدانة المسبقة، لأن تحديد المسؤوليات القانونية يظل من اختصاص القضاء، الذي يتعين أن يقول كلمته بناءً على نتائج الأبحاث والأدلة المتوفرة، مع احترام قرينة البراءة إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.

إن الرسالة الأهم التي ينبغي استخلاصها من هذه المأساة هي أن حماية الأرواح مسؤولية جماعية تبدأ بالوعي الفردي، وتتقوى بتطبيق القانون، ولا تنفصل عن دور الأسرة والمدرسة والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة السلامة الطرقية.

فحياة الإنسان تظل أغلى من أي محتوى يحصد المشاهدات، وأسمى من أي شهرة عابرة. وعندما يتعلق الأمر بأرواح المواطنين، لا ينبغي أن يكون النقاش محكوماً بالضجة الرقمية أو بالأسماء المتداولة، بل بضرورة إحقاق الحق، وترسيخ المسؤولية، والعمل على ألا تتحول الطرقات مرة أخرى إلى مساحات للفقد والمآسي.