جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في التفاتة إنسانية وثقافية بليغة، اختارت إدارة المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بزاكورة أن تجعل من دورتها الحالية محطة للاعتراف بجميل الرواد، حيث أعلنت عن منح “وسام المؤسس” لروح الفقيد عزيز الناصري. وتأتي هذه الخطوة تقديراً لمسيرة حافلة بالعطاء، وتثميناً للدور الجوهري الذي لعبه الراحل في وضع اللبنات الأولى لهذا الصرح السينمائي الذي بات اليوم منارة دولية تنطلق من قلب الجنوب المغربي.
لقد كان الراحل عزيز الناصري، رفقة زميله محمد جبور ومحمد الغزاوي، العقل المدبر والقلب النابض خلف انطلاقة هذا المهرجان. وبفضل هذا الثلاثي، لم تعد زاكورة مجرد نقطة جغرافية، بل تحولت إلى منصة إشعاع عالمية تحتفي بالسينما الوثائقية، مما عزز مكانة الإقليم في الخريطة الثقافية الوطنية والدولية. هذا التكريم ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو صرخة وفاء لرجل نذر حياته لخدمة الفن والمجتمع بصدق ونكران ذات.
ولد الفقيد عام 1973، وشكل انخراطه المبكر في العمل المدني والجمعوي علامة فارقة في مساره، حيث ترك بصماته في هيئات وازنة مثل جمعية الطليعة، وجمعية الشعلة، بالإضافة إلى حضوره القوي في المجالات الحقوقية والتربوية من خلال حركة الطفولة الشعبية والمنتدى المغربي لحقوق الإنسان. وبالتوازي مع نضاله الجمعوي، كان الناصري مربياً مثالياً في سلك التعليم الابتدائي، حيث لم يكتفِ بتلقين الدروس، بل كان قدوة إنسانية لأجيال من التلاميذ الذين رأوا فيه الأستاذ والموجه والرفيق.
تميز الراحل بخصال نادرة، إذ جمع بين التواضع الجم والالتزام الصارم بالمبادئ. كانت دار الشباب بزاكورة شاهدة على حركيته الدائمة في تأطير الشباب وتنشيط الفنون المسرحية. ولم يتوقف إبداعه عند حدود الإدارة والتنظيم، بل امتد لعين الكاميرا من خلال إخراجه للفيلم الوثائقي “مسار جمال”، وهو العمل الذي جسد رؤيته العميقة لقضايا المجتمع وقوة الفن في إحداث التغيير المنشود.
إلى جانب وجهه الثقافي، كان الفقيد يحمل قلباً رحيماً، حيث عُرف بمبادراته الخيرية الصامتة ومساندته للمرضى والمعوزين بعيداً عن الأضواء. إن منح “وسام المؤسس” لروحه اليوم هو رسالة بليغة للأجيال الجديدة، مفادها أن البصمة الصادقة لا تمحوها الأيام، وأن الرواد يظلون أحياءً بأثرهم وما غرسوه من قيم التنمية والتغيير. رحل عزيز الناصري جسداً، لكن ذكراه ستبقى حاضرة مع كل دورة مهرجان، ومع كل مشهد وثائقي يوثق لروح المدينة التي أحبها وأحبته.
