جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

على بعد كيلومترات قليلة من المدار الحضاري لمدينة بني ملال، تعيش ساكنة دوار “تامشاط” وضعاً مأساوياً يختزل معاني المعاناة اليومية مع ندرة المياه الصالحة للشرب، حيث تحول “الحق في الماء” إلى حلم بعيد المنال وسط ظروف معيشية قاسية وصفتها الساكنة بـ”الكارثية”. فالنساء هناك يجدن أنفسهن في صراع دائم مع الزمن والجهد؛ إذ تضطر ربات البيوت إلى غسل الأواني في أحواض بلاستيكية لإعادة استخدام المياه في أغراض التنظيف الأخرى وتصريفها يدوياً، في مشهد ينم عن تدبير بدائي فرضه غياب الربط المباشر والمنتظم بالشبكة، ناهيك عن حرمان الأطفال والشباب من أبسط حقوق الاستحمام والراحة، مما يضطر الكثيرين لقطع مسافات طويلة صوب بيوت الأقارب داخل المدينة لقضاء أبسط الحاجيات الحيوية، وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول مصير “الكرامة” في ظل هذا الإقصاء المائي.
وتزداد حدة هذه الأزمة مع حلول فصل الشتاء وتساقط الأمطار؛ ففي الوقت الذي يستبشر فيه الجميع خيراً، تعاني ساكنة “تامشاط” من تلوث المنبع المائي “فم العنصر” الذي يزود المنطقة، حيث تختلط المياه بالأتربة وتصبح غير صالحة للاستهلاك، مما يضطر الجهات المعنية لقطع التزويد حماية للصحة العامة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض حاد في صبيب المياه التي تصل بصعوبة بالغة إلى “تامشاط” باعتبارها النقطة الأخيرة في مسار التوزيع. هذه العزلة المائية دفعت بالساكنة إلى التساؤل بمرارة عن جدوى القرب الجغرافي من المدينة ومن مؤسسات جامعية وقروية تستفيد من الربط المائي، بينما يظل الدوار غارقاً في عطشه بانتظار حلول جذرية تنهي “زمن الآبار والعيون” الملوثة.

وفي مقابل هذا الصراخ الشعبي، تبرز بارقة أمل من خلال التحركات الرسمية الأخيرة؛ حيث أكدت مصادر من المجلس الجماعي أن ملف “تامشاط” وضع على طاولة النقاش الجدي تحت إشراف مباشر من ولاية جهة بني ملال خنيفرة. وقد أسفرت الاجتماعات الماراثونية مع المكتب الوطني للماء الصالح للشرب عن بلورة مشروع طموح لإعادة تهيئة شبكة التوزيع بمركز “فم العنصر” والمناطق التابعة له، برصد ميزانية تصل إلى 8 ملايين درهم. ويهدف هذا المشروع، الذي جاء بتعليمات صارمة من السلطات الولائية، إلى تحديث البنية التحتية المائية وضمان وصول المياه بانتظام وجودة عالية، لإنهاء حقبة “المكينة المعطلة” والحياة “المكرفسة” التي أرهقت كاهل المواطنين لسنوات طويلة في انتظار تنزيل هذه الوعود على أرض الواقع.
