جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير
تكشف التحولات التي يشهدها المشهد السياسي عن أهمية امتلاك الفاعل السياسي القدرة على مراجعة اختياراته وترتيب أولوياته بما ينسجم مع قناعاته ومع متطلبات المرحلة، بعيداً عن منطق التشبث بالمواقع أو الخضوع لحسابات ضيقة. وفي ظل ما يطبع بعض التنظيمات من صراعات داخلية وتباين في الرؤى، تبرز الحاجة إلى فضاءات حزبية قادرة على استيعاب الطموحات المشروعة وترسيخ ثقافة العمل المؤسساتي، بما يجعل خدمة المصلحة العامة في مقدمة الأولويات.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة البرلماني محمادي توحتوح بمدينة الناظور، الذي قدم خلال ندوته الصحفية الأخيرة صورة عن ممارسة سياسية تقوم، وفق ما طرحه، على تجاوز الحسابات الحزبية عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تهم الساكنة. ويتجلى ذلك بشكل خاص في المبادرة التي جمعت برلمانيي الإقليم، بمختلف انتماءاتهم السياسية، من أجل توحيد الجهود والترافع المشترك حول عدد من الملفات التنموية التي تستأثر باهتمام المواطنين.
هذا التنسيق البرلماني، القائم على تجاوز منطق الأغلبية والمعارضة في القضايا ذات الصلة بالمصلحة المحلية، منح الملفات المطروحة صوتاً أكثر انسجاماً، خصوصاً ما يتعلق بإعادة هيكلة الملف الجامعي بالإقليم، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتشغيل، إلى جانب مواكبة قضايا الصحة والخدمات ومتابعتها على المستوى المؤسساتي.
وتتجاوز الرؤية التي عرضها توحتوح الجانب التنموي لتشمل أيضاً طريقة تدبير العمل الحزبي، من خلال التأكيد على أهمية الكفاءة والحضور الميداني والقرب من المواطنين في اختيار المرشحين، مع الابتعاد عن المزايدات الإعلامية والحسابات التي لا تخدم العمل السياسي الجاد. وهي مقاربة تضع الممارسة السياسية أمام مسؤولية استعادة ثقة المواطن عبر الحضور الفعلي والاشتغال على الملفات بدل الاكتفاء بالخطاب.
وفي الجانب المرتبط بالقدرة الشرائية للمواطنين، تناول توحتوح ملف استيراد المواشي، مسلطاً الضوء على ما اعتبره اختلالات رافقت هذا الملف، ومطالباً بضرورة الحد من دور الوسطاء وتعزيز الشفافية من خلال نشر لوائح المستفيدين من الدعم. ويعكس هذا الموقف، بحسب ما طُرح خلال الندوة، توجهاً نحو ربط العمل البرلماني بالانشغالات اليومية للمواطنين والدفاع عن وضوح مسارات الاستفادة من الدعم العمومي.
وتقدم هذه التجربة، في مجملها، نموذجاً لممارسة سياسية تسعى إلى الجمع بين العمل المؤسساتي والترافع الميداني، وبين الانتماء الحزبي والانفتاح على مختلف المكونات السياسية عندما تكون المصلحة العامة هي نقطة الالتقاء. فحين تتراجع الحسابات الضيقة أمام قضايا المواطنين، يصبح العمل السياسي أكثر قدرة على إنتاج مبادرات جماعية واستعادة جزء من الثقة التي تحتاجها المؤسسات والأحزاب والمنتخبون.
