جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

شهدت الساحة القانونية والقضائية تعزيزاً نوعياً للمكتبة المختصة بصدور مؤلف جديد للأستاذ إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، تحت عنوان: “نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي: بين التأصيل والاستشراف – دراسة قانونية وقضائية مقارنة”. ويأتي هذا العمل، الذي قدم له الأستاذ محمد أشركي، رئيس المجلس الدستوري والوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات سابقاً، كخلاصة لمسار بحثي معمق امتد لأكثر من ست سنوات، حيث عمل المؤلف على تطوير وتحيين أطروحته للدكتوراه ليقدم للمهتمين مرجعاً يواكب التحولات المتسارعة في مجال الرقابة على المال العام.
ينطلق الكتاب من ضرورة ملاءمة نظام المسؤولية المالية مع التحديات المعاصرة للتدبير العمومي، مستنداً في ذلك إلى دراسة مقارنة واسعة شملت الأنظمة الدولية، وبالأخص النموذج الفرنسي الذي شهد تحولات جذرية في الآونة الأخيرة. ويروم المؤلف من خلال هذا الطرح استشراف مستقبل المحاكم المالية، والانتقال بها نحو نموذج أكثر فعالية يتجاوز محدودية الأنظمة التقليدية، ليقف وسطاً بين المسؤولية التدبيرية الحديثة والمسؤوليات الجنائية والتأديبية الكلاسيكية التي تتقاطع مع اختصاصات القاضي المالي.
ويفصل المؤلف في شقه الأول نطاق مسؤولية الأشخاص والمخالفات التي تقع تحت طائلة القضاء المالي، سواء في مجال تدقيق الحسابات أو التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. ولا يكتفي الكتاب بالسرد النظري، بل يغوص في آليات تفعيل هذه المسؤولية والقواعد التي تحكم العقوبات، مبرزاً مكامن الإصلاح الضرورية لضمان رقابة بعدية ناجعة تتماشى مع مستلزمات الحكامة الجيدة، وموضحاً الإكراهات التي تواجه التدبير العمومي في الوقت الراهن.
كما يتميز الإصدار بكونه دليلاً مهنياً وعملياً؛ إذ لم يغفل المؤلف إدراج حيثيات المقررات القضائية الصادرة عن المحاكم المالية، مع تحليل تعليلها القانوني. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز الدور البيداغوجي للمؤسسات الرقابية، بحيث لا تقتصر وظيفتها على الزجر فحسب، بل تمتد لتصحيح الاختلالات وإشاعة ثقافة حسن الأداء داخل المرافق العمومية، وتوضيح الأسس التي تقوم عليها مسؤولية المدبرين من خلال حالات تطبيقية واقعية.
وفي سياق ترسيخ الأمن القضائي، خصص الكاتب حيزاً هاماً لاستعراض القواعد التي أرستها محكمة النقض والمحاكم المالية بمختلف درجاتها، حيث جرى تصنيف هذه القواعد وفق مجالات التدبير العمومي وطرق إثبات المخالفات، مما يفتح الباب أمام الباحثين والرأي العام لتعميق النقاش حول تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. واختتم المؤلف عمله بملاحق غنية تتناول خصوصيات النيابة العامة لدى أجهزة الرقابة، ومعايير المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، مما يجعل الكتاب مرجعاً شاملاً يحيط بكافة جوانب الرقابة العليا على المالية العامة في أبعادها الوطنية والدولية.
