مشاريع المونديال 2030 من يحمي المقاولات الصغيرة من كلفة المناولة؟

ملاعب وطرق سيارة وقطارات ومشاريع كبرى بالمليارات لكن خلف هذه الأوراش، مقاولات صغيرة ومتوسطة تكافح من أجل استخلاص مستحقاتها

مع تسارع وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى استعداداً لكأس العالم 2030 تتجه الأضواء إلى الملاعب والطرق السيارة والسكك الحديدية والقطار فائق السرعة ومختلف البنيات التحتية التي يجري تشييدها أو تأهيلها.

لكن خلف هذه المشاريع العملاقة توجد مئات المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تنفذ جزءاً مهماً من الأشغال بصفتها مقاولات مناولة (Sous-traitance).

وهنا يبرز سؤال لا يحظى بما يكفي من النقاش:

هل تحصل المقاولات التي تنجز الأشغال فعلياً على مستحقاتها في الآجال نفسها التي تلتزم فيها بتنفيذ هذه الأشغال؟

المقاولة الصغيرة تعمل اليوم وتنتظر أموالها غداً المقاولة المناولة مطالبة باحترام الآجال والمواصفات التقنية ومعايير الجودة والسلامة، كما أنها مطالبة بأداء أجور العمال والموردين والمحروقات ومصاريف المعدات والنقل والصيانة.

لكن عندما يتأخر استخلاص مستحقاتهاً تتحول المقاولة الصغيرة عملياً إلى ممَوّل للورْش من مالها الخاص فالأشغال لا تتوقف، والعمال يجب أن يتقاضوا أجورهم، والموردون ينتظرون مستحقاتهم، بينما الأموال الناتجة عن الأشغال المنجزة قد تتأخر والنتيجة: اختناق في السيولة قد يتحول إلى تهديد حقيقي لاستمرارية المقاولة سعر الصفقة شيء وسعر المناولة شيء آخر

الإشكال لا يتعلق فقط بالتأخر في الأداء، بل أيضاً بالشروط المالية لعقود المناولة فالشركة الكبرى تحصل على الصفقة العمومية وفق سعر وشروط محددة، ثم يتم إسناد جزء من الأشغال إلى مقاولة مناولة وفق عقد مستقل وسعر يتم التفاوض بشأنه وهنا تطرح المقاولات الصغيرة سؤالاً مشروعاً:

كيف يمكن مطالبة المقاولة المناولة بنفس الجودة ونفس المعايير ونفس الآجال، بينما قد يكون السعر الذي تشتغل به أقل بكثير من السعر المعتمد في الصفقة الأصلية؟ ومع ارتفاع أسعار المواد والمحروقات والنقل ومختلف تكاليف الإنتاج، يمكن أن تختفي هوامش الربح المحدودة أصلاً، لتجد المقاولة نفسها تنجز الأشغال بخسارة أو بهامش لا يغطي المخاطر ارتفاع الأسعار من يتحمل الفاتورة؟

الاقتصاد العالمي أثبت خلال السنوات الأخيرة أن أسعار الطاقة والمواد الأولية يمكن أن تعرف ارتفاعات مفاجئة.

وفي الوقت الذي تتضمن فيه الصفقات العمومية آليات لمراجعة الأسعار وفق الشروط القانونية والتعاقدية، يظل السؤال مطروحاً حول مدى استفادة المقاولة المناولة من هذه المراجعات وانعكاسها على عقدها بشكل عادل وفي الوقت المناسب.

فإذا ارتفعت تكلفة الحديد أو المحروقات أو النقل، فإن المقاولة الصغيرة هي التي تتحمل الضغط على هامشها، بينما لا تستطيع ببساطة التوقف عن الأشغال القانون موجود لكن المقاولة تريد حماية فعلية

الإطار القانوني المغربي ينظم اللجوء إلى المناولة في الصفقات العمومية، كما يضع قواعد مرتبطة بأداء مستحقات المقاولات المناولة. وينص المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية على مقتضيات خاصة بالمناولة والتزامات صاحب الصفقة تجاه المقاول من الباطن.

كما أن المغرب يتوفر على مرصد آجال الأداء الذي يتابع إشكالية التأخر في الأداء وتأثيرها على المقاولات، خصوصاً المقاولات الصغيرة والمتوسطة لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل توجد القوانين؟ بل هل تصل الحماية فعلاً إلى المقاولة الصغيرة التي أنجزت الأشغال؟ المونديال فرصة وليس عبئاً على المقاولات المغربية لا أحد يشكك في أهمية الشركات الكبرى ودورها في إنجاز المشاريع الاستراتيجية للمملكة لكن نجاح هذه المشاريع يجب ألا يكون على حساب المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل جزءاً أساسياً من النسيج الاقتصادي الوطني المطلوب اليوم هو تعزيز الشفافية في عقود المناولة ومراقبة آجال الأداء، وضمان احترام الالتزامات المالية، والتفكير في آليات أكثر فعالية لحماية المقاول الصغير، بما في ذلك إمكانية تأمين مستحقاته أو تسريع أدائها في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية.

فالمقاولة الصغيرة لا تطلب امتيازاً إنها تطلب فقط أن تحصل على ثمن العمل الذي أنجزته، في الوقت الذي يسمح لها بالاستمرار وفي النهاية فإن نجاح ورش مونديال 2030 لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الملاعب والطرق والقطارات التي سيتم إنجازها.

بل أيضاً بعدد المقاولات المغربية التي ستخرج من هذه الأوراش أقوى، لا أكثر مديونية؛ أكثر تنافسية، لا أكثر هشاشة.

فلا يعقل أن نبني ملاعب وطرقاً وقطارات من أجل المستقبل.. ونترك المقاولات التي ساهمت في بنائها تصارع من أجل البقاء.