جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

تجد الحكومات المتعاقبة نفسها غالباً أمام اختبارات كبرى تكشف مدى صلابة قراراتها الاستراتيجية، غير أن ورش “مؤسسات الريادة” يطرح اليوم إشكالية استثنائية ترقى إلى مرتبة الورطة السياسية والمالية الحقيقية لأي أغلبية حكومية مقبلة، بغض النظر عن الانتماء الحزبي لوزير القطاع. فهذا المشروع، الذي وُضع في واجهة الإصلاح التعليمي، يحمل في طياته تناقضات معقدة بين إكراهات التمويل الضخم ومحاذير التراجع البيداغوجي.
تتجلى أولى هذه المعضلات في البعد المالي الصرف؛ إذ إن تعميم التجربة لتشمل كافة المؤسسات التعليمية الابتدائية والإعدادية يضع خزينة الدولة أمام حتمية مضاعفة ميزانية قطاع التربية الوطنية لتصل إلى سقف يناهز 200 مليار درهم، مقارنة بنحو 97 مليار درهم حالياً. هذا الرقم الفلكي يعيد طرح علامات الاستفهام حول مدى قدرة المالية العمومية على الاستمرار في توفير هذا الدعم المالي الهائل، خصوصاً في ظل التساؤلات عما إذا كانت الحكومة القادمة ستواصل نفس النهج التمويلي المرن وتسهيل إجراءات إبرام الصفقات وصرف التعويضات، لا سيما وأن المشروع يرتبط سياسياً وحزبيّاً بمسار ومخاض تنزيله الأول. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهر الخبراء والمراقبين الداخليين حول تداعيات إيقاع التدبير السريع الذي طبع مرحلة الانطلاق، حيث طُوّعت المساطر الإدارية لتسريع الوتيرة، مما يضع أية قيادة وزارية مستقبلية أمام محك الرقابة والمساءلة.
في المقابل، يبدو الخيار البديل – أي التخلي عن المشروع أو تجميده – بمثابة انتحار بيداغوجي وتنظيمي حقيقي، يشبه تماماً حالة جراح يتدخل لشق الصدر بهدف علاج القلب ثم يغادر قاعة العمليات قبل إتمام المهمة. فالتراجع يعني الحكم على المنظومة بالدخول في متاهة كبرى عنوانها تكلفة العودة إلى المناهج والطرائق العادية، وما يرافقها من ارتباك تربوي وضياع للجهود المبذولة. والأكثر تعقيداً في هذا الخيار هو ردود الفعل المرتقبة للفاعلين الميدانيين؛ فالأساتذة والإداريون والتشكيلات النقابية ارتبطت لديهم مكتسباتهم، كتعويضات الريادة، بمسار تسوية النظام الأساسي للقطاع، مما يجعل أي مساس بهذه التوازنات فتيلًا لتوترات اجتماعية لا تحمد عقباها.
بين مطرقة ميزانية بمليارات الدراهم وسندان إرث تنظيمي واجتماعي بالغ الحساسية، تظل مؤسسات الريادة امتحاناً عسيراً يختبر قدرة السياسات العمومية على الاستمرارية دون الإيقاع بالدولة في مطبات مالية واجتماعية لا طاقة لها بها.
