جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

تواجه الدائرة القضائية بمدينة فاس حالة غير مسبوقة من الاحتقان المهني، حيث دقت الهيئات النقابية الممثلة لموظفي كتابة الضبط ناقوس الخطر جراء تدهور ظروف العمل وصولاً إلى ما وصفته بـ “الأوضاع الكارثية”. هذا التوتر المكتوم انفجر إلى العلن مع إعلان النقابة الديمقراطية للعدل عن خوض وقفة احتجاجية إنذارية يوم الثلاثاء المقبل، تعبيراً عن رفض الشغيلة القضائية لسياسة “الإنهاك” التي باتت تفرضها ندرة الموارد البشرية مقابل التضخم المهول في عدد القضايا والملفات.
وتعود جذور الأزمة، حسب القراءة النقابية للواقع الميداني، إلى تغييرات هيكلية لم تواكبها تعزيزات في الأطقم الإدارية؛ حيث أدى قرار حذف المحاكم التجارية والإدارية بمكناس، وإحالة آلاف ملفاتها على فاس، إلى إغراق المصالح القضائية بالعاصمة العلمية بضغط مضاعف. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ساهم تحويل ملفات الغرف الاستئنافية من المحاكم الابتدائية إلى محكمة الاستئناف في تعميق الفجوة بين حجم العمل المنجز وعدد الموظفين المتاحين، مما أدى إلى اختلال واضح في بيئة العمل ومس مباشر بجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
وفي تفاصيل المعاناة اليومية، تبرز حالة صندوق المحكمة التجارية بفاس كنموذج صارخ لهذا الخلل، حيث يضطر موظفون قلائل للقيام بمهام كانت تتوزع سابقاً على أربعة محاسبين، مما يفرض عليهم العمل لساعات طوال تحت ضغط نفسي وجسدي هائل. كما طفت على السطح مخاوف جدية تتعلق بـ “الأمن المعلوماتي والقانوني”، حيث استنكرت النقابة الاعتماد على عناصر خارجية، مثل متدربي “الإنعاش”، ومنحهم صلاحيات الدخول إلى التطبيقات المعلوماتية السرية، معتبرة ذلك خرقاً صريحاً يهدد خصوصية المعطيات القضائية، في ظل النقص الحاد في أعوان المناولة الذي تسبب في ارتباك واضح في عملية تبادل الملفات بين المصالح.
ولم تغب السلامة المهنية عن قائمة المطالب، إذ حُملت وزارة العدل المسؤولية عن المخاطر التي يواجهها وكلاء الحسابات أثناء نقل الأموال في ظروف تفتقر لأدنى شروط الأمان. وأمام هذا الانسداد في أفق الحلول، قرر الموظفون تحويل احتجاجهم إلى خطوات ميدانية ستبدأ بوقفة في بهو المحكمة الابتدائية التجارية بفاس يوم 28 أبريل، كرسالة أولية للسلطات المعنية، مع التلويح بالتصعيد في تظاهرات فاتح ماي بمدينة مكناس، تأكيداً على التشبث بالحقوق ورفضاً للسياسات التي تمس بالمكتسبات المهنية وتكرس الوضع الراهن.
