الجدل حول قنصلية ألميريا.. بين النقد المشروع والتشهير.

الجدل حول قنصلية ألميريا.. بين النقد المشروع والتشهير.

بقلم: مريم مستور
جريدة النهضة

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتُختزل الحقائق في منشورات عابرة، أصبح من السهل صناعة رواية، ومن الأصعب التحقق منها.
وبين ضجيج الصفحات والوسوم، تجد بعض مؤسساتنا الوطنية نفسها عرضة لأحكام جاهزة تُبنى على الانطباع لا على المعطيات.
مؤخراً، وُضعت قنصلية المملكة المغربية بألميريا في قلب نقاش حاد انطلق من تدوينة لم تُدعَّم بوثائق أو شواهد ملموسة.
وسرعان ما تحوّل النقاش من مساءلة مشروعة إلى حملة تشكيك واسعة، اختلطت فيها الانتقادات بالاتهامات، دون تمييز بين الرأي والخبر.
أمام هذا الوضع، برز دور الصحافة المهنية في التحقق الميداني. فقد اختار الصحفي إبراهيم أبركان، مدير مكتب جريدة فايس بريس بإسبانيا، والصحفية مريم مستور عن جريدة الفارو دي كتالونيا والنهضة الدولية والمصور والمخرج رشيد سواحل النزول إلى عين المكان لاستقاء المعطيات من مصدرها.
ووفق ما وثقه من خلال حضوره الميداني، فإن كثيراً مما تم تداوله رقمياً لا يعكس الصورة الكاملة لسير العمل داخل القنصلية.
ومن بين النقاط التي أُثير حولها جدل مسألة منع التصوير داخل المرفق القنصلي. غير أن هذا الإجراء يندرج، في جوهره، ضمن حماية خصوصية المرتفقين وصون معطياتهم الشخصية، خاصة في فضاء إداري يتعامل مع وثائق حساسة. فالمرفق العمومي ليس فضاءً للاستعراض، بل لخدمة المواطنين في إطار من الانضباط والاحترام المتبادل.
أما بخصوص التأخر في إصدار بعض الوثائق، ومنها شهادة “حسن السيرة والسلوك”، فمن المهم التذكير بأن المساطر الإدارية للقنصليات ترتبط غالباً بإجراءات مركزية في المغرب، وأن توفر الوثائق يخضع لسلسلة توزيع رسمية. وعليه، فإن أي تأخير مرتبط بعدم التوصل بالدفعات الرسمية لا يمكن اعتباره تقصيراً محلياً بقدر ما هو معطى تنظيمي يتجاوز الإدارة المعنية.
وفي ما يتعلق بالحديث المتكرر عن وجود سماسرة، فإن معالجة مثل هذه الادعاءات تقتضي سلوك القنوات القانونية المختصة. فمحاربة أي سلوك غير قانوني لا تتم عبر منشورات عامة، بل عبر شكايات موثقة لدى الجهات الأمنية والقضائية المختصة في إسبانيا، حيث يجرّم القانون كل أشكال النصب أو الوساطة غير المشروعة. إن تعميم الاتهام دون تقديم دليل لا يخدم الضحايا المفترضين بقدر ما يخلق مناخاً من الريبة.
لقد عبر عدد من أفراد الجالية المغربية في ألميريا وغرناطة عن دعمهم لعمل القنصلية، معتبرين أن المرحلة الحالية تعرف دينامية جديدة في التواصل وتحسين الخدمات. وهذا لا يعني أن المؤسسة فوق النقد، بل يؤكد أن النقد المسؤول يجب أن يستند إلى الوقائع، وأن يسعى للإصلاح لا للتشهير.
إن حرية التعبير مكسب أساسي، لكنها تقترن دائماً بالمسؤولية. فالفارق كبير بين مساءلة مؤسسة بهدف التقويم، وبين استهدافها بخطاب يفتقر إلى التثبت. وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي هو تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن، وترسيخ ثقافة نقد بنّاء يحمي المؤسسات كما يحمي حقوق المرتفقين.

21/02/2026