جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

كم كلف السباق الانتخابي؟ ومن يدفع فاتورة الاستقطاب السياسي؟
لم تنتهِ الانتخابات التشريعية في دائرة الحي الحسني بمجرد إعلان النتائج، بل بدأت معها أسئلة أخرى لا تقل أهمية عن سؤال الفائزين والخاسرين: كم كلفت هذه المعركة الانتخابية؟
دائرة الحي الحسني، التي عرفت تنافساً قوياً على ثلاثة مقاعد برلمانية، قدمت في النهاية خريطة انتخابية مختلفة عما كان عليه المشهد في الاستحقاقات السابقة. فقد تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج بـ9,263 صوتاً، متبوعاً بـالأصالة والمعاصرة بـ4,908 أصوات، ثم الاستقلال بـ4,830 صوتاً.
وفي المراتب التالية جاء الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ3,426 صوتاً، ثم اليسار الديمقراطي بـ3,153 صوتاً، والتقدم والاشتراكية بـ2,778 صوتاً، بينما حل التجمع الوطني للأحرار بـ1,492 .
هذه الأرقام لا تطرح فقط سؤال: من فاز؟ وإنما تطرح سؤالاً آخر أكثر حساسية: كم أنفقت الأحزاب واللوائح المتنافسة للوصول إلى هذه النتائج؟
الاتحاد الاشتراكي.. استثمار انتخابي وأسئلة مفتوحة
دخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هذه الانتخابات في الحي الحسني بوجه جديد نسبياً في المشهد الانتخابي المحلي، هو مروان عمامة، الذي قدمته تغطيات ما قبل الانتخابات باعتباره وجهاً اقتصادياً له حضور في المنطقة.
وحصل الحزب في النهاية على 3,426 صوتاً، ليحتل المرتبة الرابعة.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق جواباً من قيادة الحزب محلياً:
كم بلغت الكلفة الإجمالية للحملة الانتخابية للاتحاد الاشتراكي في الحي الحسني؟
كم رُصد للمقرات الانتخابية؟
كم أنفق على التواصل والإشهار والطباعة واللافتات؟
ما حجم الإنفاق على التجمعات واللقاءات واللوجستيك والتنقلات؟
وهل كانت هناك موارد إضافية مرتبطة باستقطاب فاعلين سياسيين أو منتخبين سابقين خاصة استقطاب أربعة أعضاء من مجلس المقاطعة منتخبين عن حزب التجمع الوطنيللأحرار؟
والسؤال الأهم:
هل تتطابق الكلفة الفعلية للحملة على الأرض مع المصاريف التي سيتم التصريح بها رسمياً؟
هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة مرتبطة بمبدأ الشفافية
في تدبير المال الانتخابي.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد خاض الاستحقاق بعودة اسم سياسي معروف في المنطقة، ويتعلق الأمر بـعبد القادر بودراع، الذي سبق أن كان برلمانياً عن دائرة الحي الحسني، قبل أن يختار خوض الانتخابات باسم حزب الكتاب.
وكان بودراع قد غادر حزب الأصالة والمعاصرة، واختار الترشح باسم التقدم والاشتراكية، وهو ما جعل دخوله الانتخابات يحظى باهتمام خاص في الخريطة السياسية المحلية.
الحزب حصل في النهاية على 2,778 صوتاً، محتلاً المرتبة السادسة.
لكن هذا الرقم يفتح بدوره ملفاً آخر:
كم بلغت كلفة إعادة بناء الحضور الانتخابي لعبد القادر بودراع داخل دائرة الحي الحسني؟
وكم تطلبت عملية بناء الحملة من موارد مالية وتنظيمية؟
هل استفاد الحزب من شبكات انتخابية كانت مرتبطة سابقاً بفاعلين آخرين؟
وما هي كلفة استقطاب الوجوه السياسية والمنتخبين والفاعلين المحليين؟
والأهم: هل كانت هذه الاستقطابات سياسية بالدرجة الأولى، أم أن الاعتبارات الانتخابية والتنظيمية لعبت دوراً أساسياً فيها؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن الحزب اختار إطلاق حملته ميدانياً بالحي الحسني، بحضور الأمين العام نبيل بنعبد الله وعدد من قيادات الحزب.
التجمع الوطني للأحرار:
من صدارة 2021 إلى المرتبة السابعة
ربما يكون التجمع الوطني للأحرار من أكثر الأحزاب التي تستحق قراءة خاصة لنتيجة الحي الحسني.
ففي انتخابات 2021، تصدر الحزب الدائرة وحصل مرشحه إدريس الشرايبي على 9,934 صوتاً، وفق معطيات نشرتها هسبريس قبل استحقاقات 2026.
أما في النتائج التي أمامنا لهذه الانتخابات، فقد حصل الحزب على 1,492 صوتاً، محتلاً المرتبة السابعة.
وهذا التحول الكبير يطرح أسئلة سياسية وتنظيمية ومالية في الوقت نفسه:
كم أنفق الحزب في الحي الحسني خلال هذه الحملة؟
هل تم الحفاظ على نفس حجم الموارد التي تم تعبئتها في الانتخابات السابقة؟
ما هي الكلفة الإجمالية للحملة؟
وهل تم ضخ موارد مالية وتنظيمية كبيرة في دائرة انتهت نتيجتها إلى الحصول على 1,492 صوتاً؟
ثم سؤال أكثر دقة:
هل يعكس حجم الإنفاق الانتخابي المصرح به فعلاً حجم الحملة التي عاشتها الدائرة على الأرض؟
حين يصبح استقطاب السياسيين جزءاً من المعركة الانتخابية
الانتخابات في الحي الحسني لم تكن مجرد منافسة بين أحزاب وشعارات وبرامج.
فأحد أبرز الأسئلة التي تستحق البحث هو ظاهرة انتقال واستقطاب الوجوه السياسية والمنتخبين والفاعلين المحليين.
فما القيمة المالية والسياسية التي تمثلها عملية استقطاب شخصية لها شبكة علاقات انتخابية؟
وهل يمكن قياس هذه العملية مالياً؟
إذا كانت هناك مصاريف أو التزامات مرتبطة بهذا النوع من الاستقطاب، فأين تظهر في الحسابات الانتخابية؟
ومن يتحملها؟
الحزب؟
المرشح؟
الداعمون؟
أم أنها تدخل في إطار مصاريف أخرى؟
هذه الأسئلة لا تعني وجود مخالفات، وإنما تعني أن الرأي العام المحلي من حقه أن يفهم كيف تمول الحملات الانتخابية، وكيف يتم تدبير الموارد التي توضع رهن إشارة المرشحين.
من صرف أكثر؟ ومن حصل على أصوات أكثر؟
الأرقام النهائية تتيح طرح سؤال مهم، ولكن دون افتراض وجود علاقة مباشرة بين المال وعدد الأصوات:
هل كانت هناك علاقة بين حجم الموارد التي تم ضخها في الحملات والنتائج التي حققتها اللوائح؟
فالحملة الانتخابية ليست مجرد أموال؛ هناك التنظيم، والسمعة، والعمل الميداني، والبرنامج، والشبكات الاجتماعية والسياسية، وثقة الناخبين.
لكن في المقابل، فإن المال الانتخابي يظل أحد الملفات التي تستحق الشفافية والمساءلة القانونية.
والسؤال هنا ليس: من أنفق أكثر؟ فقط، بل:
كم أنفق كل حزب؟
ما هي مصادر التمويل؟
أين صرفت الأموال؟
هل صُرّح بكل النفقات؟
وهل تعكس الوثائق المحاسبية الصورة الحقيقية للحملة الانتخابية التي عاشها سكان الحي الحسني؟
الحي الحسني يحتاج إلى كشف الحساب
اليوم، وبعد ظهور النتائج، يمكن أن ينتقل النقاش من مرحلة الشعارات الانتخابية إلى مرحلة كشف الحساب.
التجمع الوطني للأحرار أمام سؤال التحول من صدارة 2021 إلى المرتبة السابعة.
الاتحاد الاشتراكي أمام سؤال المرتبة الرابعة و3,426 صوتاً.
التقدم والاشتراكية أمام سؤال المرتبة السادسة و2,778 صوتاً، خصوصاً مع عودة اسم سياسي معروف إلى الدائرة.
أما باقي الأحزاب، فهي أيضاً مطالبة بتقديم صورة واضحة عن موارد حملاتها وكيفية تدبيرها.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بمحاكمة حزب أو مرشح، ولا بتوجيه اتهامات بلا دليل، وإنما بطرح سؤال مشروع:
كم كلفت الانتخابات التشريعية بدائرة الحي الحسني؟
ومن دفع هذه الفاتورة؟
وكم كلف استقطاب السياسيين والمنتخبين والفاعلين المحليين؟
وهل ستكشف الحسابات الرسمية الأرقام التي ينتظرها الرأي العام؟
النتائج أصبحت معلومة، لكن فاتورة الانتخابات لا تزال في انتظار أن تُقرأ بالأرقام والوثائق.
والمطلوب الآن ليس روايات انتخابية جديدة، وإنما حسابات واضحة، موثقة وقابلة للمقارنة.
