جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في ليالي رمضان، حين يهدأ إيقاع المدن قليلًا وتستعيد الفضاءات الثقافية حيويتها، يبرز المسرح باعتباره فضاءً حيًا للقاء الإنسان بذاته وبمجتمعه… ومن المؤكد أن الخشبة حين تستعيد وهجها، فإنها تستعيد معها تقاليد فنية عريقة ظلت لسنوات طويلة تعبر عن نبض المجتمع وتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة فنية نابضة بالحياة.
وفي هذا السياق، شهد المركز الثقافي بسطات مساء الجمعة السادس من مارس 2026، وعلى إيقاع الساعة العاشرة ليلاً، عرضًا مسرحيًا مميزًا حمل عنوان “شعلو الضو”، قدمته فرقة مسرح لاكوميدي، وذلك بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبتنسيق مع المديرية الإقليمية للثقافة بسطات، ضمن البرنامج الثقافي والفني الذي يرافق شهر رمضان ويهدف إلى إحياء الحركة المسرحية وإعادة الجمهور إلى فضاءات العرض الحي.

منذ اللحظات الأولى لافتتاح العرض، بدا واضحًا أن القاعة تعيش حالة من الترقب… جمهور متنوع الأعمار امتلأت به جنبات القاعة، جاء بحثًا عن لحظة فرح فني، وعن فسحة ضحك تتقاطع فيها الكوميديا مع أسئلة الواقع. ومن الثابت أن المسرح حين ينجح في جذب هذا الحضور الإنساني الكثيف، فإنه يثبت مرة أخرى أنه ما يزال قادرًا على مخاطبة الوجدان الجماعي.
لقد جاءت مسرحية “شعلو الضو” لتؤكد هذا المعنى بوضوح… فالعرض لم يقتصر على تقديم مشاهد كوميدية عابرة، وإنما سعى إلى بناء حكاية اجتماعية تتقاطع فيها مفارقات الحياة اليومية مع أسلوب ساخر خفيف الظل. وبالتالي فإن الضحك الذي كان يتردد في القاعة لم يكن مجرد ترفيه عابر، وإنما كان ضحكًا يتضمن في داخله إشارات وتأملات حول المجتمع وسلوكياته.

ولا شك أن أحد أبرز عناصر قوة العرض كان حضور الفنان الشرقي السروتي، الذي استطاع أن يمنح العرض طاقة فنية لافتة. فالسروتي، بخبرته المسرحية وبحضوره فوق الخشبة، نجح في خلق حالة تواصل مباشرة مع الجمهور… حيث بدا واضحًا أن الشخصية التي يؤديها تتحرك بحرية داخل النص، وتنسج خيوطها مع تفاعل المتفرجين في لحظات كثيرة من العرض.
لقد اعتمد هذا الفنان على أدواته الأدائية بذكاء واضح، مستفيدًا من تنويع نبرة صوته ومن لغة الجسد ومن الإيقاع الحركي الذي يمنح المشهد حيويته. ومن المؤكد أن هذه العناصر مجتمعة جعلت الشخصية التي يقدمها تبدو قريبة من الجمهور… شخصية مألوفة، تشبه كثيرًا تلك الوجوه التي نصادفها في حياتنا اليومية.

ومن هنا تتجلى قوة المسرح الكوميدي حين يُكتب ويُقدَّم بوعي فني… إذ يتحول الضحك إلى وسيلة لقراءة الواقع، وتصبح الكوميديا مرآة تعكس تفاصيل المجتمع دون خطابة مباشرة أو خطاب وعظي ثقيل. لذلك بدت المسرحية وكأنها تحكي قصصًا صغيرة من الحياة اليومية، غير أن هذه القصص كانت تحمل في طياتها دلالات أوسع وأعمق.
وقد عالجت المسرحية مجموعة من المواقف الاجتماعية التي يعيشها الأفراد في حياتهم اليومية، حيث تتقاطع سوء الفهم مع الطموحات الصغيرة، وتلتقي المفارقات الإنسانية مع رغبة الإنسان في تحسين واقعه. وهذه المواقف قدمت في قالب ساخر يثير الضحك أحيانًا والتأمل أحيانًا أخرى… وهو ما منح العرض طابعًا فنيًا متوازنًا يجمع بين الترفيه والفكرة.
أما عنوان المسرحية “شعلو الضو” فيحمل بدوره دلالة رمزية واضحة… فالضوء في الثقافة الإنسانية يرمز إلى الوضوح والانكشاف وإزالة الغموض. ومن ثم فإن “إشعال الضوء” يبدو وكأنه دعوة رمزية إلى إضاءة بعض الزوايا المعتمة في المجتمع، تلك الزوايا التي تختبئ فيها مفارقات الحياة اليومية وسلوكياتها المتناقضة.

وقد ساهمت عناصر السينوغرافيا في تعزيز هذا المعنى… حيث اعتمد العرض على إضاءة مدروسة وحركات مسرحية متناسقة مع إيقاع النص. فالإضاءة هنا لم تكن مجرد خلفية تقنية، وإنما كانت عنصرًا فنيًا يواكب تحولات المشهد ويمنح اللحظة المسرحية عمقها الدلالي.
كما أن الإخراج حافظ على إيقاع متوازن جعل العرض يسير بانسيابية واضحة… فالمشاهد تتعاقب دون ترهل أو إطالة، والانتقال بين اللحظات الكوميدية والمواقف الاجتماعية يتم بسلاسة، الأمر الذي حافظ على انتباه الجمهور طوال زمن العرض.
ومن المؤكد أن الحضور الجماهيري اللافت الذي عرفته هذه الليلة المسرحية يعكس تعطش الجمهور المغربي للفن الحي، خاصة حين يقدم بلغة قريبة من الناس ويعالج قضاياهم بأسلوب بسيط وعميق في آن واحد. فالجمهور الذي ملأ القاعة لم يكن مجرد متلقٍ صامت، وإنما كان شريكًا في صناعة اللحظة المسرحية… يضحك، يتفاعل، ويمنح العرض طاقته الإنسانية.

وعلاوة على ذلك، فإن تنظيم هذا العرض ضمن البرنامج الثقافي الرمضاني يحمل دلالة ثقافية مهمة… إذ يتحول المسرح في مثل هذه المناسبات إلى فضاء يجمع بين الروحانية الرمضانية والاحتفاء بالفن. لذلك تبدو هذه المبادرات الثقافية مساهمة فعلية في تنشيط الحياة الفنية داخل المدن المغربية وإعادة الاعتبار لدور الثقافة في الفضاء العمومي.
ومن الثابت أن مثل هذه التجارب المسرحية تعيد طرح سؤال العلاقة بين الفن والمجتمع… فالمسرح حين ينجح في التعبير عن نبض الناس، يصبح جزءًا من حياتهم اليومية، ويستعيد مكانته كفن حي قادر على التأثير في الوعي الجماعي.
وهكذا، انتهت هذه الليلة المسرحية في مدينة سطات وسط أجواء من التصفيق والتفاعل، بعدما استطاعت مسرحية “شعلو الضو” أن تجمع بين الضحك والتأمل، وأن تقدم عرضًا فنيًا يعيد للكوميديا بريقها الإنساني والاجتماعي.
غير أن رحلة هذا العمل المسرحي لا تتوقف عند هذه المحطة… إذ ينتظر جمهور مدينة الدار البيضاء موعد جديد مع العرض نفسه. فقد تقرر تقديم مسرحية “شعلو الضو” يوم الاثنين التاسع من مارس 2026 بمقاطعة مولاي رشيد، حيث سيكون عشاق المسرح على موعد مع ليلة فنية أخرى يقودها الفنان الشرقي السروتي ورفاقه فوق الخشبة.
ومن ثم فإن الدعوة تبقى مفتوحة لعشاق الفن الرابع كي يكونوا في الموعد… لأن الضوء الذي اشتعل فوق خشبة سطات يستعد لإضاءة خشبة الدار البيضاء أيضًا، في ليلة مسرحية ينتظرها الجمهور بشغف كبير.
