جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في خطوة تهدف إلى صياغة حلول جذرية لظاهرة تشغيل الأطفال، احتضن فضاء دار الشباب “الزلاقة” بمدينة خريبكة، مساء الجمعة، فعاليات منتدى مجتمعي موسع خصص لمناقشة آليات حماية الطفولة والحد من استغلال القاصرين في سوق الشغل. ويأتي هذا الموعد ضمن المسار التنفيذي لمشروع “أجيال واعدة لمحاربة تشغيل الأطفال”، الذي تقوده جمعية الرياض للتربية والثقافة والفنون بتعاون مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، في إطار برنامج يمتد للنصف الأول من العام الجاري.
شهد اللقاء مشاركة نوعية جمعت بين المسؤولين المحليين، والفاعلين في الحقل الاجتماعي، إلى جانب حضور لافت للأكاديميين والشباب المهتمين بقضايا الطفولة. وقد أطر النقاش كل من الأساتذة إيمان عراب، رجاء أناس، ورشيد بورجي، الذين استعرضوا زوايا مختلفة للظاهرة، بدءاً من الجوانب القانونية والزجرية وصولاً إلى المقاربات الاجتماعية والوقائية.
في هذا السياق، استعرضت الأستاذة رجاء أناس الدور الحيوي الذي يلعبه “مكتب الحرية المحروسة” بالمحاكم التابعة لإقليم خريبكة، مسلطة الضوء على تجربة التكفل بالأطفال وضمان حقوقهم تحت إشراف مباشر من السلطة القضائية. كما ركزت المداخلة على ضرورة تفعيل القوانين القائمة وتكثيف حملات التوعية، خاصة في ظل استمرار الظاهرة نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها البيئة المحيطة ببعض الأسر.

من جانبها، شددت الأستاذة إيمان عراب، مسيرة الجلسة، على أن التصدي لاستغلال الأطفال في المهن الشاقة ليس مجرد واجب قانوني، بل هو مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق المجتمع بكافة أطيافه. ودعت إلى خلق جبهة موحدة تضم المهنيين، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، لضمان عدم ولوج أي طفل لسوق الشغل دون السن القانونية، محذرة من الانعكاسات الخطيرة لهذا الاستغلال على النمو السليم للأجيال الصاعدة.
وفي قراءة تحليلية للترسانة القانونية، أوضح الأستاذ رشيد بورجي أن تشغيل الأطفال يمثل تحدياً عالمياً يتطلب تعبئة شاملة. واستعرض القواعد التنظيمية التي تمنع تشغيل من هم دون سن الـ15، مشيراً إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ومنها الاتفاقية رقم 182. كما فصل في بنود قانون الشغل المغربي التي تمنع التشغيل الليلي لمن هم دون الـ16، وتحظر كلياً إقحام الأطفال في الأشغال الشاقة كالمقالع وقطاعات التدرج المهني غير الآمنة، أو استخدامهم في مجالات التمثيل دون ضوابط صارمة.

ولم يخلُ النقاش من التذكير بصرامة المشرع المغربي، حيث أشار بورجي إلى أن العقوبات في هذا الصدد قد تبلغ ثلاث سنوات حبساً، مع غرامات مالية ثقيلة قد تصل إلى 30 ألف درهم، مؤكداً أن الحل يكمن في ترسيخ “الثقافة القانونية” وتغليب مصلحة الطفل الفضلى.
اختتم المنتدى، الذي تخلله تكريم وجوه إعلامية وتربوية، بنقاش مفتوح أكد فيه الحاضرون أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في حماية الطفولة، لكن التحدي لا يزال قائماً في مواجهة الفقر كدافع أساسي للظاهرة. وخلص المشاركون إلى ضرورة دعم برامج التكوين المهني بالتدرج وتوفير بيئة اجتماعية تحمي حق الطفل في التعليم والنمو السليم، وهو المسار الذي تواصل الجمعية تنزيله عبر سلسلة لقاءات تواصلية مرتقبة حتى شهر يونيو القادم.
