بقلم: نصيرة بنيوال _جريدة أرض بلادي 
بصفتي مغربية أصيلة، تنبض عروقها بحب هذا الوطن الأبي، أخط هذه الكلمات ونحن نعيش ذروة المجد في هذه اللحظات التاريخية؛ اليوم الأحد 18 يناير 2026، حيث تتجه أنظار القارة والعالم صوب “المستطيل الأخضر”. ففي تمام الساعة الثامنة مساء، انطلقت المباراة النهائية الكبرى و مازالت لنسخة كأس أمم إفريقيا الـ35، التي شرف المغرب باحتضانها على أرضه وبين جماهيره، لتجمع أسود الأطلس بنظيرهم المنتخب السنغالي الشقيق، في عرس كروي يجسد أسمى معاني الأخوة القارية والريادة المغربية.
إننا اليوم لا نتابع مجرد مباراة، بل نعيش حصاد رؤية بدأت فصولها منذ 21 ديسمبر الماضي عبر ست مدن مغربية، بملاعبها التي باتت تحفا معمارية عالمية، لتؤكد أن المغرب ليس مجرد مستضيف، بل هو عاصمة الرياضة الإفريقية بلا منازع.
وطنية الأسود: دموع أغلى من الكؤوس
ما يميز هذا الجيل من “الأسود” ليس المهارة الفنية فحسب، بل تلك الوطنية الشامخة التي تتجلى في نظراتهم، وفي دموعهم الصادقة التي انهمرت في لحظات الحسم. إنها دموع لا تعبر عن ضعف، بل عن ثقل الأمانة وشرف تمثيل وطن عظيم وعرش مجيد. إنها دموع الرجال الذين يدركون أن القميص الوطني هو تاريخ، وهوية، ومسؤولية جسيمة تجاه شعب يرى فيهم قدوته وعنوان انتصاراته. هذه الروح القتالية هي امتداد للملحمة التي بدأت في مونديال قطر 2022، حيث أصبح المغرب أول فريق عربي وإفريقي يصل إلى المربع الذهبي، محققا المركز الرابع عالميا، في إنجاز غير مسبوق.
الرؤية الملكية: نهضة شاملة لا تستثني أحدا
إن هذا التألق الرياضي الذي يشهده المغرب لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة رؤية ملكية متبصرة جعلت من الرياضة مشروعا وطنيا يتجاوز حدود كرة القدم للرجال. لقد تجسدت هذه الرؤية في تلك الطفرة النوعية التي حققتها الكرة النسوية، حيث أصبحت “لبؤات الأطلس” رمزا للإرادة والتألق القاري والعالمي، تماما كما هو الحال مع منتخبات الشباب والفئات العمرية التي باتت تشكل خزان الأمل وقاعدة الاستدامة للأمجاد المغربية.
لقد دون المغرب ملحمته في كل الفئات، وصولا إلى هذه النهضة الشاملة التي يشرف عليها السيد فوزي لقجع، ابن جهة الشرق ومدينة بركان البار، الذي أثبت بعبقريته التدبيرية أن الكفاءة الوطنية قادرة على صياغة المستحيل. ولم تقتصر هذه الرؤية على التتويجات، بل امتدت ببعد إنساني نبيل لتشمل مبادرات إعادة الإدماج عبر الرياضة لنزلاء المؤسسات السجنية، كما تجلى في تتويج المنتخب المغربي للسجناء بلقب كأس (PRIS-AFCON)، ليكون المغرب نموذجا في جعل الرياضة أداة للقيم والكرامة الإنسانية.
نبض الشرق.. تاريخ الأساطير وحزن المحب
ورغم هذا الفخر الذي يغمرنا، يظل في القلب حزن المحب، وتساؤل مشروع يفرض نفسه بقوة: لماذا غابت جهة الشرق، باحدى مدنها العريقة كوجدة وبركان والناظور والسعيدية….، عن قائمة المدن الست المستضيفة لهذا العرس القاري؟
إن غياب جهة الشرق عن هذا المحفل القاري ليس مجرد غياب مكاني، بل هو هدر لفرصة ثمينة كان من شأنها أن تضع المنطقة تحت مجهر القارة الإفريقية والعالم أجمع. فمثل هذه التظاهرات الكبرى ليست مجرد مباريات لكرة القدم، بل هي قاطرة للتنمية الشاملة؛ تفتح أبواب الاستثمار، وتُنشط السياحة الرياضية، وتُعزز البنية التحتية، مما يسهم في التعريف بالمؤهلات اللوجستية والثقافية الفريدة التي تزخر بها وجدة ونواحيها كبوابة استراتيجية للمملكة. إن تسليط الأضواء العالمية على الجهة كان سيشكل دفعة قوية للاقتصاد المحلي ونافذة يطل منها العالم على تاريخنا العريق وحاضرنا الطموح.
إن جهة الشرق هي مهد الأساطير وخزان المواهب؛ فمن هذه الأرض انطلق محمد الفيلالي، نجم مونديال 1970، ورشيد نكروز، أول محترف مغربي في الدوري الإيطالي، وغيرهم من أبناء مدرسة مولودية وجدة العريقة. كما تفتخر المنطقة بكونها المنبع الأصيل للنجم حكيم زياش (منطقة تافوغالت)، فضلا عن التألق القاري لنهضة بركان. هذا التاريخ يجعلنا نتساءل بعمق: هل قصر المسؤولون المحليون في مواكبة المعايير الدولية؟ أم أن البوصلة التنموية لم تمنح هذه الجهة الاستراتيجية نصيبها المستحق في هذا المحفل العالمي؟ إن هذا الحزن هو دعوة للمراجعة والعمل على تأهيل البنية التحتية لتكون جهة الشرق شريكا كاملا في استضافة الأحداث الكبرى القادمة….
وحدة الصف وراء القميص الوطني
والآن، ومع دوران الكرة في هذا النهائي التاريخي، نؤكد أن حبنا للمنتخب وللوطن يسمو فوق كل عتاب. نشجع بقلب واحد يزلزل الأرض؛ نشجع من وجدة الأبية بوابة الشرق، وصولا إلى طنجة العالية، ومن قلب الرباط والدار البيضاء إلى العيون والداخلة والكويرة الغالية. نحن اليوم صف واحد خلف أسودنا، وخلف ملكنا الهمام، وخلف رايتنا الشامخة التي لا تنحني. نحن اليوم أمام مغرب الرؤية، والكرامة، والطموح الذي لا يحده سقف.
كلنا وراء المنتخب المغربي.. وكلنا فداء للوطن والملك.
