*تلامذة مؤسسة اقرأ الخاصة يشعلون فضاء مهرجان إفران للفلك بأول حضور يلامس أفق التميّز*

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في لحظة بدت أشبه بوميضٍ يصافح صفحة السماء، خطا تلامذة مؤسسة اقرأ الخاصة نحو مهرجان إفران للفلك بخطوات واثقة حملت في طياتها حيوية الاكتشاف وشغف المغامرة العلمية. كان المشهد أكبر من مجرد مشاركة، وأعمق من حضور عابر؛ فقد بدا وكأن المؤسسة تدفع بأطفالها وشبابها إلى منصة كونية واسعة، يلامسون فيها أسرار الفضاء ويتعلمون معها لغته، لغة الضوء والغبار النجمي ومسارات الأجرام التي لا تنضبط إلا لمن يأنس بالعلم ويؤمن بقيمة السؤال.

 

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن ثلة التلامذة الذين يمثلون المؤسسة لم يأتوا ليكونوا رقماً في الحضور، بل ليكونوا قيمة مضافة في هذا الموعد العلمي الذي يستقطب نخبة المهتمين بالفلك. فقد اختار كل واحد منهم موضوعه بدقّة، وصاغ عرضه بلغة ينتقيها على مقاس ثقته وقدرته، مقدّماً للمتابعين مادة زاخرة بالمعرفة العلمية وسلاسة التعبير.

 

في فئة الصغار، كانت سارة عجليني تفتتح مسار العروض بموضوع خسوف القمر، مقدّمة مادة مبسّطة برؤية طفلة تمسك بناصية الفكرة وتبسطها بلغة عربية مشرقة. وتلاها مهدي مولاي علي أفرط الذي أجاد في تفكيك ظاهرة الكسوف الشمسي بأسلوب يجمع الإحاطة العلمية وروح الحكي، بينما قدّم محمد زياد التارغي عرضاً باللغة الإنجليزية حول النجوم، كشف فيه قدرة واضحة على الاستيعاب والشرح بلغة ثانية لا تقل انسجاماً مع الموضوع.

أما في فئة الكبار، فقدّم يحيى قاسيمي بحثاً موسعاً حول المستعر الأعظم، واضعاً الحضور أمام واحدة من أعقد الظواهر الكونية بلغة رصينة لا تفتقر إلى السلاسة. ثم جاءت إسراء الشناني لتناقش موضوع الثقوب السوداء، مركّزة على بعدها الفيزيائي بطرح هادئ يخفي خلفه جهداً بحثياً لافتاً. وواصلت آية اليوسفي بخوض دورة حياة النجوم في عرض باللغة الإنجليزية يعكس تمكناً لغوياً ومعرفياً، فيما اختتم إسماعيل صوفي مشاركات الفئة بموضوع Planets without a star مقدّماً مادة علمية تتطلّب إحاطة دقيقة وأفقاً معرفياً واسعاً.

 

لم تكن العروض مجرد خطابات أكاديمية، بل كانت فسيفساء لغوية وعلمية تؤكد أن المؤسسة تمضي بثبات نحو ترسيخ مهارات البحث، وتهيئة جيل يرى في العلوم بوابة نحو التفوّق لا مجرد مادة دراسية. هذا التنوع اللغوي بين العربية والإنجليزية فتح أمام المتتبعين نافذة على قدرة التلامذة على التواصل العلمي دون عوائق، وبيّن أن التعليم حين يستثمر في المهارات الحقيقية يصنع نضجاً يتجاوز الأعمار.

 

في فضاءات المهرجان، تحرك تلامذة المؤسسة بين الورشات المتنوعة من رصد فلكي حيّ، إلى محاكاة كوكبية تترجم حركة الكون، إلى محاضرات علمية تطرح الأسئلة الكبرى حول النشأة والمصير. وتفاعلوا مع مسابقات معرفية ومهارية جمعت عشرات المشاركين، فكانوا جزءاً من الحماس العام الذي يصنعه الاحتكاك المباشر بالعلم حين يتحوّل إلى تجربة محسوسة لا إلى مجرد نصوص جامدة.

 

وفي لحظة لافتة طبعت فعاليات المهرجان، استطاعت التلميذة إسراء الشناني أن تحصد المرتبة الثالثة في مسابقة الخطابة بالعربية، وسط منافسة شديدة. بدا حضورها على المنصة هادئاً، محسوماً، مشبعاً بثقة راسخة؛ إذ قدّمت خطاباً متماسكاً أعاد إلى الأذهان قيمة البلاغة حين تقترن بالعلم، وقدرة التعبير حين تنسجم مع الفكرة. هذا التتويج لم يكن حدثاً عابراً في برنامج المهرجان، بل شهادة على مسار تربوي يجعل اللغة شريكة للمعرفة، ويرى في الكلمة وسيلة ترسّخ الفهم وتؤطر الإقناع.

 

لقد جاءت مشاركة مؤسسة اقرأ الخاصة لتشكّل رسالة تربوية تتجاوز حدود المناسبة. فقد اختار التلامذة – بتوجيه أطرهم – أن ينخرطوا في رؤية واضحة: تشجيع العلوم، توجيه الخيال نحو المعرفة الدقيقة، وتكريس الانضباط والعمل الجماعي. وقد بدا هذا جلياً في طريقة حضورهم، في جدّيتهم داخل الورشات، وفي تفاعلهم مع المؤطرين والمختصين. كانت الرحلة التعليمية التي وفّرها المهرجان أكبر من عروض متفرقة؛ كانت تجربة تنضج فيها الشخصية، وتُشحذ فيها ملكة السؤال، وتُفتح فيها العين على كون واسع يدعو إلى الانبهار والعمل معاً.

 

ولم يخف أطر المؤسسة اعتزازهم بما قدمه التلامذة، معتبرين أن المشاركة الأولى ما هي إلا خطوة أولى في مسار طويل من التميّز، وأن الاستثمار في العلوم، وإن بدا مجهدًا، فإنه يحمل ثماره سريعاً حين تتاح للتلامذة الفرصة المناسبة وتُزرع فيهم الثقة والقدرة على المبادرة. فالمهرجان، بما حمله من مضامين تطبيقية، رسّخ عند المشاركين علاقة جديدة مع علم الفلك، علاقة تقوم على التذوق والفهم لا على التلقي وحده.

 

وهكذا، اختتمت مؤسسة اقرأ الخاصة مشاركتها الأولى في مهرجان إفران للفلك بنجاح يشهد على جدارة التلامذة وحسن تأطير أطرهم، وبطموح يتطلع إلى حضور أقوى في السنوات المقبلة. لقد أثبتوا أن البدايات الموفقة ليست صدفة، وأن الطريق نحو التميز العلمي يُبنى خطوة بعد خطوة، وفضولاً بعد فضول، ورغبة صادقة في فهم هذا الكون الرحب.

 

وفي نهاية هذا الحضور المشرّف، لا يسع الكلمات إلا أن تتوجّه بالشكر العميق إلى الأطر المنظمة التي هيّأت الفضاء، وأدارت الورشات، واحتضنت المشاركات بروح تربوية رفيعة أسهمت في إنجاح هذه التجربة التعليمية المضيئة.