جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

ليس بالأمر الهين أن يجد الفاعل الجمعوي نفسه في مواجهة مؤسسة يُفترض أنها شريك استراتيجي في التنمية، كما ليس من السهل أن يتحول النقاش حول قضايا الثقافة إلى مساحة للتعبير عن الإقصاء، الخيبة، والأسئلة الشائكة. لطالما كان الرهان في العمل الثقافي بمدينة خريبكة مبنياً على قناعة راسخة بأن الثقافة ليست ترفاً أو نشاطاً ثانوياً، بل هي المحرك الأساسي للتنمية وبناء الإنسان.
بناءً على هذه الرؤية، دأبت هيئة ثقافية محلية على تنشيط الحياة الفكرية في المدينة عبر تنظيم ملتقيات وطنية ودولية، واستضافة شخصيات وازنة من مفكرين وإعلاميين وسفراء، والمساهمة في إصدارات فكرية، كل ذلك بإمكانيات مادية محدودة، لكنها مدفوعة بإرادة قوية لخدمة المدينة والارتقاء بصورتها الثقافية، بعيداً عن منطق البحث عن امتيازات أو مصالح شخصية.
بيد أن هذا المسار شهد تحولاً تدريجياً في العلاقة مع المجلس الجماعي لمدينة خريبكة، حيث تصاعد التوتر على خلفية مواقف عبّر عنها القائمون على الشأن الثقافي كحق أصيل في النقد البناء. فقد دأبت الهيئة المعنية على تسجيل ملاحظات موضوعية حول تدبير بعض التظاهرات الكبرى التي احتضنتها المدينة، أو انتقاد آليات توزيع الدعم العمومي. ومن وجهة نظر الجمعية، كانت هذه الملاحظات تهدف إلى تجويد العمل العام، إلا أنها قوبلت بحساسية مفرطة، حيث فُسرت هذه التنبيهات كإساءة مباشرة أو مواقف عدائية تجاه المؤسسة المنتخبة.
وتجسدت ذروة هذا التوتر في قرار تقليص الدعم المخصص للجمعية بشكل حاد وغير مبرر، إذ تراجع من أربعين ألف درهم إلى خمسة عشر ألفاً فقط، رغم أن طبيعة المشاريع الثقافية المقدمة كانت ذات إشعاع وطني ودولي. هذا الإجراء أثار مخاوف حقيقية بشأن المعايير المعتمدة في تقييم المشاريع، لا سيما مع ما راج حول عدم التدقيق في الملفات قبل الحسم فيها.
ولم تقف الأمور عند حد تقليص الدعم، بل وصلت إلى نقاشات داخل دورات المجلس أشارت إلى أن أسباب الإقصاء لا علاقة لها بجودة المشاريع أو مردوديتها، بل تعود إلى كتابات وحلقات نقاش انتقدت تدبير الشأن الثقافي. وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً ومقلقاً: هل بات التعبير عن الرأي والمطالبة بالشفافية سبباً للحرمان من الدعم؟ وهل أصبح النقد البناء تهمة تستوجب العقاب؟
لقد خلقت هذه التجربة حالة من الحذر في أوساط الفاعلين الجمعويين؛ حيث لوحظ تضامن ضمني في الغرف المغلقة، بينما فضل الكثيرون الصمت العلني تفادياً لمواجهات مماثلة. ومع ذلك، سجلت الجمعية بتقدير عالٍ مواقف عدد من المنتخبين والحقوقيين والمثقفين الذين انتصروا لحق الاختلاف ورفضوا سياسة “تكميم الأفواه” عبر المال العام.
إن هذه القضية تتجاوز في جوهرها الحسابات المالية؛ فهي تتعلق برسم معالم العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني، ومدى التزام الأخيرة بمبادئ الحكامة والشفافية. إن الثقافة لا يمكن أن تنمو وتزدهر في ظل بيئة يغيب فيها نقد الأداء، كما أن العمل الجمعوي يفقد جوهره إذا تحول الصمت إلى الخيار الأكثر أماناً.
ختاماً، تؤكد رئيسة الهيئة الثقافية المعنية أن هدفها ليس نيل معاملة تفضيلية، بل المطالبة بالإنصاف وتكريس تكافؤ الفرص، وربط الدعم بجدوى المشاريع وأثرها على المدينة، لا بالمواقف السياسية. فالمؤسسات القوية هي التي تستوعب النقد وتجعله وسيلة لتصحيح المسار، أما الدفاع عن حرية التعبير فهو دفاع عن مستقبل العمل الثقافي بالمدينة بأكمله، وليس انتصاراً لجهة بعينها.
