جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يحدثُ أن تتحوّل لحظةٌ صغيرة في حياة تلميذٍ إلى شرارةٍ تُضيء درباً كاملاً… يحدث أن يقف طفلٌ أمام مجهرٍ أو تلسكوبٍ ليرى العالم بعيونٍ مختلفة، فيتغيّر إدراكه للمعرفة، ويتحوّل الفضول إلى بوابةٍ كبرى نحو المستقبل. هذا تماماً ما يُلامسُه المرء وهو يتأمل حضور تلامذة مجموعة مدارس اقرأ الخاصة ضمن فعاليات مهرجان إفران للفلك في نسخته الثالثة عشرة؛ ذلك الحدث العلمي الذي لم يعد مجرد تظاهرة ثقافية، بل صار مساحةً كبرى تحتضن أحلام الجيل الصاعد وتُحوّلها إلى معارف حيّة تنبض في الأذهان والقلوب.
في الفترة الممتدة ما بين 27 و30 نوفمبر 2025، وتحت شعار بليغ يختصر فلسفة المهرجان: «الفلك: علم وثقافة وخيال – L’astronomie: Science, Culture et Imagination»، انطلقت بمدينة إفران نسخة جديدة من مهرجان الفلك، لتعيد ربط المجتمع المغربي، بمختلف فئاته، بسحر السماء وعلوم الكون وأسرار النجوم. هنا، في هذه المدينة التي تحتضن بيئةً استثنائيةً للرصد الفلكي، يلتقي الباحثون والمهتمون والرواد، لكن ما يميّز الدورة الثالثة عشرة هو الحضور القوي للمتعلمين، وعلى رأسهم تلامذة مجموعة مدارس اقرأ الخاصة، الذين خاضوا تجربةً علميةً فريدة تُثري عطشهم للمعرفة وتُرسّخ لديهم حبّ الاستكشاف.

لقد كان المشهد مفعماً بالحياة: تلاميذ يحملون دفاتر الملاحظات، وآخرون يتأملون النجوم من خلف عدسات التلسكوبات، وفريق ثالث ينصت بإمعان لمحاضرين بارزين يشرحون حركة الكواكب، ولغز الثقوب السوداء، ومفاهيم الفيزياء الفلكية التي بدت كأنها قصصٌ خارجة من عالمٍ بعيد. غير أنّ الأهمّ هو تلك اللمعة في أعينهم؛ لمعة الاكتشاف الأولى، تلك التي لا تخطئها عين تربوية تدرك معنى أن يلامس المتعلم المعرفة بيديه لا من وراء الكتب وحدها.
مشاركة تلامذة المؤسسة لم تكن حضوراً شكلياً، بل كانت تفاعلاً حيّاً داخل ورشات تطبيقية مُصمّمة لتقريب العلوم من المتعلمين. فقد أتاحت الورشات لهم فرصة تجربة أدوات الرصد، التعرف على منهجيات العمل الميداني في الفلك، وممارسة البحث العلمي في أبسط أشكاله، بدءاً من تدوين الملاحظات، مروراً بتحليلها، وصولاً إلى بناء فرضيات صغيرة حول الظواهر التي يشاهدونها. ولعلّ هذا النوع من التعلم التجريبي يُعدّ أحد أهم مرتكزات بيداغوجيا القرن الحادي والعشرين، التي تراهن على جعل المتعلم فاعلاً لا متلقياً، ومبدعاً لا مكرراً.

المهرجان، بما يحمله من محاضرات أكاديمية ومعارض علمية، شكّل منصةً ذهبية للتلاميذ من أجل الانفتاح على عقول خبيرة ومرجعيات عالمية في مجال الفلك والفضاء. فقد حرص الأساتذة الباحثون المشاركون على تبسيط معارف عميقة، وجعلها في متناول الفتيان والفتيات، معتبرين أن بناء جيل علمي يبدأ من لحظة إدراك شغف طفلٍ صغير بما يوجد خلف الأفق. في مثل هذه اللحظات، تتشكل قاعدة صلبة تُبنى عليها اختيارات علمية مستقبلية قد تغيّر مسار حياة كاملة.
وقد بدا واضحاً أنّ الانغماس في هذه التجربة العميقة شكّل إضافةً نوعيةً للمسار التعليمي لتلامذة مجموعة مدارس اقرأ الخاصة. فالمؤسسة التي تبنّت منذ سنوات منهج التعلم النشيط، وجعلت من الملاحظة والتجريب أسلوب عمل يومي، وجدت في مهرجان إفران للفلك امتداداً طبيعياً لرؤيتها البيداغوجية. كانت الورشات مناسبةً لترسيخ تلك الفلسفة في الميدان، حيث لمس التلاميذ بأنفسهم معنى الربط بين المعرفة النظرية والممارسة العلمية، بين الحصص الدراسية وأسئلة الكون الكبرى.
ولم يكن هذا الحضور العلمي سوى جزء من مسارٍ أطول دأبت المؤسسة على تتبعه. فمجموعة مدارس اقرأ الخاصة عُرفت بانفتاحها المستمر على الفعاليات العلمية الوطنية والدولية، إيماناً منها بأن بناء شخصية متعلمٍ قادرٍ على الإبداع يبدأ من جعله جزءاً من الفضاءات العلمية الحقيقية. لذلك، لم يكن غريباً أن يظهر تلامذتها في مثل هذا المحفل العلمي بنضجٍ فكري واضح، ورغبةٍ صادقة في التعلم والاستكشاف والسؤال. إنّ المؤسسة، عبر هذه المشاركة، أعادت التأكيد على أن تكوين الفكر العلمي لا يتمّ داخل الفصول وحدها، بل في كل مساحة تسمح للمتعلم بأن يتساءل، يجرب، يخطئ، ويعيد المحاولة.

وقد تفاعل التلاميذ مع التقنيات الحديثة للرصد الفلكي، وتعرفوا على كيفية استعمال مختلف الأدوات، بما فيها التلسكوبات الرقمية، وبرامج المحاكاة، والنماذج العلمية التي تُستخدم في تفسير الظواهر الكونية. وقد شكل هذا التفاعل جسراً معرفياً قوياً بين العلوم النظرية التي يدرسونها والفضاء العملي الواسع الذي يعرضه المهرجان. لقد أدركوا أنّ علم الفلك ليس بعيداً عنهم، وأن دراسته ليست حكراً على العلماء في المختبرات، بل يمكن أن تبدأ من نظرةٍ ذكية نحو السماء.
ولم يقتصر الأثر على المعرفة العلمية فقط، بل امتد ليشمل جوانب شخصية وتربوية مهمة. فقد منح المهرجان للتلاميذ فرصة العمل الجماعي، النقاش، احترام آراء الآخرين، وتقدير قيمة الدقة في تدوين الملاحظات العلمية. هذه المهارات التي تبدو بسيطة تُعتبر في الحقيقة أساس تكوين شخصيات قيادية قادرة على مواجهة أسئلة العصر. لقد بدا واضحاً أن المشاركة في فعاليات كهذه تعزز لدى المتعلمين الثقة بالنفس، وتحفز روح الإبداع، وتفتح آفاقاً مهنية مستقبلية، خصوصاً وأن مجالات علوم الفضاء تعرف تطوراً متسارعاً على المستوى الدولي، وقد أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد المعرفي الحديث.
ولا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون استحضار رمزيته الثقافية والعلمية. فمهرجان إفران للفلك، في نسخته الثالثة عشرة، نجح مرة أخرى في جمع العلم بالثقافة والخيال، محولاً الفضاء إلى قصةٍ يعيشها التلاميذ لا مجرد فكرةٍ يدرسونها. لقد أعاد لهم القيمة الأولى للدهشة، تلك التي يفقدها الإنسان تدريجياً في زحمة الحياة. وحين يستعيد المتعلم قدرته على الدهشة، ينفتح عقله على أسئلة جديدة، وحين تكثر الأسئلة، ينشط العقل، وحين ينشط العقل، يولد العلم.
لقد خرج التلاميذ من هذه التجربة العلمية وهم محمّلون بأفكار جديدة، وبأسئلة أكبر من أعمارهم، وأحلامٍ تتجاوز حدود مدينتهم ومدرستهم. كانوا يدركون أن السماء التي شاهدوا تفاصيلها من خلال العدسات ليست مجرد صفحة زرقاء فوق رؤوسهم، بل هي كتابٌ مفتوح يروي تاريخ الكون. وهذا الوعي الجديد هو بالضبط ما تراهن عليه مجموعة مدارس اقرأ الخاصة: أن يتحول التعلم من عملية تلقين إلى عملية اكتشاف، ومن مضمون ثابت إلى مشروع حياة.
وفي ختام المشاركة، بدا الانطباع العام واضحاً: لقد كسب التلاميذ خبرة علمية معتبرة، وفتحت أمامهم أبواب جديدة في عالم الفلك وعلوم الفضاء. أما المؤسسة فقد أكدت من جديد أنها شريك تربوي يخطط للمستقبل، ويربط التعليم بالبحث والابتكار، ويجعل من تلاميذه عناصر فاعلة في مجتمع المعرفة. إن المسار الذي تسلكه مجموعة مدارس اقرأ الخاصة لا يهدف فقط إلى تكوين متعلمين ناجحين، بل إلى صنع جيل مفكر، متسائل، قادر على التعامل مع علوم المستقبل بثقة واستعداد.
هكذا، يصبح حضور تلامذة المؤسسة في مهرجان إفران للفلك ليس مجرد مشاركة ظرفية، بل خطوة ضمن مسار طويل من الاستثمار في العقول. والعقل، كما يقول العلماء، هو أوسع من السماء، لأنه يستطيع أن يتخيل ما وراءها… وقد بدا واضحاً أن أطفال اليوم الذين رفعوا أعينهم نحو النجوم، هم أنفسهم الذين سيكتبون غداً فصولاً جديدة في قصة العلم والمعرفة.
