“سرّ الشخصية الوهمية: كيف تحولت الخيال إلى ‘سوكب’ إعلامي”

جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

في عالم الصحافة الاستقصائية الذي يعيشه هشام جراندو، يمكن أن تتحول أي «معلومة حساسة» إلى مادة قابلة للنشر دون الحاجة إلى مصدر موثوق، كما يمكن لأي «تسريب خطير» أن ينال الاهتمام دون وجود وثائق تدعمه. يكفي أن تلتقي الأخبار بعقلية عدائية لتصبح الأكاذيب حقيقة، ويصير الخيال بمثابة «سوكب» إعلامي. هكذا ولدت قضية شخصية «سلموي»، التي لم تكن موجودة إلا في أذهان من اختاروا تصديقها.

فـ«سلموي» لم يكن مسؤولاً أمنياً، ولا ضابطاً رفيع المستوى في الشرطة، بل لم يكن شخصاً حقيقياً على الإطلاق. كانت شخصية مختلقة بعناية، عُرضت على جراندو كمصدر موثوق، يدعي تقديم معلومات «حصريّة» من مؤسسات حساسة. مجرد اسم يوحي بالسلطة، ومرتبة مفترضة، ونبرة مؤكدة، كانت كافية لإحداث ثقة كاملة دون أي تحقق.

بدأت التسريبات الأولى بطريقة مدروسة: معلومات عامة، تلميحات غامضة، بيانات سهلة التصديق. ومع مرور الوقت، اكتسبت القصة تعقيداً أكبر: تفاصيل دقيقة، سرد معقد، اجتماعات أمنية وهمية، حضور شخصيات دولية متخيّلة، وظهور واختفاء أجهزة استخبارات دون أثر. في كل مرحلة كان ينبغي أن تُثار علامات التحذير، لكن ذلك لم يحدث.

لم يُطلب أي مستند، ولم تُطالب أي جهة بإثبات، ولم يُجر أي تحقق. كان جراندو يكتفي بتلقي روايات «سلموي» وتحويلها فوراً إلى محتوى إعلامي يُقدّم على أنه تسريبات داخلية بالغة الخطورة. أصبح الإثارة الإعلامية بديلاً للمنهجية، والكاميرا وسيلة لتعويض غياب الدقة.

المفارقة أن «سلموي» لم يكن بحاجة إلى ذكاء خارق أو تقنيات متطورة؛ كل ما كان عليه فعله هو قول ما يرغب جراندو في سماعه. عندما تتحوّل العداوة إلى معيار، ويحلّ الرغبة في الإساءة محل التحقق، يصبح الصحفي أداة سهلة للتلاعب. أي معلومة تنتقد المؤسسات تُستقبل بحماسة، وأي خيال يتحوّل إلى حقيقة بمجرد عرضه على الجمهور.

هكذا تحول جراندو من الصحفي الذي يزعم كشف الأسرار إلى مجرد ناقل آلي لأوهام مصنوعة. لم يكن يكشف عن وقائع، بل عن سيناريوهات صُممت لخدمة رواية مسبقة. رفع شعار «الشفافية»، لكنه لم يلتزم بأبسط قواعدها. هاجم المؤسسات باسم الحقيقة، بينما استند كلامه إلى شخصية وهمية.

وعندما انكشف السر، وتبين أن «سلموي» مجرد خيال، لم ينهار مجرد مصدر، بل انهار النظام كله: الادعاء بامتلاك مصادر، والتمسك بالمهنية، والوهم بالوصول إلى كواليس السلطة. المشكلة لم تكن في خدعة معقدة، بل في استعداد كامل لتصديق أي شيء ضد الدولة ومؤسساتها.

قضية «سلموي» تتجاوز كأن تكون مجرد حادثة عابرة. إنها درس واضح حول كيفية صناعة المعلومات المضللة حين تغيب الأخلاقيات ويصبح الحقد وقوداً للخطاب. إنها قصة سقوط ناجم ليس عن خصوم، بل عن طريقة تفكير وأسلوب عمل يتحكم فيه الاستياء بدل الحقيقة.

سقوط جراندو لم يتطلب مؤامرة، أو أجهزة، أو «حرب صامتة». كل ما كان مطلوباً شخصية وهمية، بعض الصبر، وجرعة كبيرة من الخيال. والبقية، أنجزها بنفسه أمام الكاميرا وبكامل اقتناعه.