جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير -بقلم:

في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل المؤثرة في صياغة السياسات العمومية، وإدارة المرافق، وتطوير المنظومات الأمنية والقضائية، تتزايد الحاجة إلى فتح نقاشات علمية رصينة تستحضر الأبعاد القانونية والحقوقية لهذه الثورة التكنولوجية، وتبحث عن السبل الكفيلة بتحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الحرية. ومن هذا المنطلق، نظمت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ندوة علمية متميزة تحت عنوان “الأمن بين حفظ النظام العام وحماية الحقوق والحريات في زمن الذكاء الاصطناعي”، بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والخبراء والباحثين والمختصين، في لقاء أكاديمي جسد المكانة العلمية التي تحتلها المؤسسة، وأكد انخراطها المتواصل في مواكبة القضايا ذات الراهنية القانونية والمؤسساتية.

ولم يكن اختيار هذا الموضوع اعتباطياً، وإنما جاء استجابة لتحولات متسارعة فرضتها التقنيات الذكية، التي لم تعد تقتصر على الجوانب التقنية، وإنما امتد تأثيرها إلى مجالات الأمن والعدالة والإدارة والاقتصاد والحقوق، الأمر الذي جعلها تطرح أسئلة دقيقة حول حدود استعمالها، وضوابطها القانونية، وانعكاساتها على الحريات العامة والفردية. لذلك، شكلت الندوة فضاءً علمياً لتبادل الرؤى والخبرات، وتقريب وجهات النظر بين الباحثين والمتخصصين، بما يسهم في إنتاج معرفة قانونية قادرة على مواكبة هذه التحولات.
وعرفت أشغال الندوة نقاشاً أكاديمياً عميقاً، اتسم بالرصانة والمنهجية، حيث تناول المتدخلون مختلف الإشكالات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي في علاقته بحفظ النظام العام، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان الخصوصية، وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون. كما سلطت المداخلات الضوء على أهمية وضع إطار قانوني متوازن يتيح الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي توفرها التقنيات الذكية في دعم الأمن العمومي، دون المساس بالحقوق والحريات التي كرسها الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة.

وأكدت المداخلات أن تحقيق الأمن يظل غاية مشروعة لكل دولة، غير أن هذا الهدف يكتسب مشروعيته الحقيقية عندما يقترن باحترام الضمانات القانونية، ومبادئ الضرورة والتناسب، وخضوع مختلف التدابير للرقابة القضائية والمؤسساتية. فالذكاء الاصطناعي، رغم ما يوفره من سرعة في تحليل البيانات، ورصد المخاطر، ودعم اتخاذ القرار، يبقى أداة تقنية تحتاج إلى تأطير تشريعي وأخلاقي يضمن توظيفها في خدمة الإنسان، ويحافظ على كرامته، ويصون حقوقه الأساسية.
كما أبرزت الندوة أن الجامعة المغربية مطالبة اليوم بأدوار تتجاوز التكوين الأكاديمي التقليدي، لتصبح فضاءً لإنتاج الحلول واستشراف المستقبل، ومختبراً للأفكار التي تستجيب للتحولات المتلاحقة التي يعرفها العالم. ومن هذا المنظور، يكتسي تنظيم مثل هذه الندوات أهمية بالغة، لأنها تفتح المجال أمام الحوار العلمي الجاد، وتعزز ثقافة البحث الرصين، وتربط المعرفة النظرية بالإشكالات العملية التي تواجه المؤسسات والمجتمع.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي تضطلع به العميدة الدكتورة فاطمة الزهراء علمي، التي تواصل ترسيخ نهج أكاديمي يقوم على تشجيع البحث العلمي، والانفتاح على القضايا الوطنية والدولية، واحتضان المبادرات العلمية الهادفة إلى تطوير الفكر القانوني وتعزيز جودة التكوين الجامعي. وقد أصبحت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، في ظل هذه الرؤية، فضاءً علمياً نابضاً بالحيوية، يحتضن الندوات والمؤتمرات واللقاءات الفكرية التي تجمع بين العمق الأكاديمي وراهنية الموضوعات، بما يعزز إشعاع الكلية داخل الجامعة المغربية وخارجها.
ومن الواجب، في هذا المقام، توجيه عبارات التقدير والامتنان إلى جميع الأساتذة المتدخلين، الذين أثروا أشغال الندوة بمداخلات علمية رفيعة المستوى، وإلى الخبراء والمختصين الذين قدموا قراءات متعددة الأبعاد لقضايا الذكاء الاصطناعي والأمن والحقوق، كما يستحق أفراد اللجنة التنظيمية كل الثناء على ما بذلوه من جهود في الإعداد والتنسيق وحسن التنظيم، الأمر الذي انعكس إيجاباً على نجاح هذا الموعد الأكاديمي. ويستحق الطلبة الباحثون بدورهم الإشادة، لما أبانوا عنه من اهتمام وتفاعل وحضور مسؤول، يعكس وعياً متزايداً بأهمية البحث العلمي في فهم التحولات القانونية والتكنولوجية.
لقد أكدت هذه الندوة العلمية أن كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، تواصل أداء رسالتها العلمية بكل اقتدار، عبر احتضان نقاشات أكاديمية تستجيب لأسئلة العصر، وتسهم في بناء رؤية قانونية متوازنة تجاه التحولات الرقمية. كما أكدت أن الأمن والحرية قيمتان متكاملتان، وأن نجاح السياسات العمومية في عصر الذكاء الاصطناعي يظل رهيناً بإرساء تشريعات حديثة، ومؤسسات قوية، وبحث علمي رصين، وجامعة تؤمن بأن المعرفة هي المدخل الحقيقي لصناعة المستقبل، وأن الحوار الأكاديمي المسؤول يظل السبيل الأمثل لمواجهة التحديات وصياغة الحلول.
