لا تجعلوا ابناءنا وقودا لاوهام البحر

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لم تعد الهجرة السر الخاصهية مجرد ظاهرة اجتماعية، بل أصبحت معركة وعي حقيقية. فكل قارب ينطلق نحو المجهول لا يحمل فقط شبابًا يحلمون بحياة أفضل، بل يحمل أيضًا حجمًا كبيرًا من اليأس الذي يسعى البعض إلى تغذيته، ومن الأوهام التي تُسوَّق لهم على أنها طريق مختصر نحو النجاح.

إن أخطر ما في الهجرة غير النظامية أنها لا تسرق الأرواح فحسب، بل تسرق الثقة في الوطن، وتزرع في نفوس الشباب قناعة مغلوطة مفادها أن المستقبل لا يمكن أن يكون إلا خارج حدود بلادهم. وهذه الفكرة ليست مجرد خطأ في التقدير، بل هي أخطر أشكال التضليل عندما تتحول إلى خطاب ممنهج يتكرر يوميًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لقد أصبح من الواضح أن بعض الحسابات والصفحات المجهولة لا تكتفي بعرض صور براقة عن الحياة في الخارج، بل تعمل على تضخيم الإحباط، ونشر خطاب اليأس، وإخفاء الحقيقة الكاملة المتمثلة في آلاف الضحايا الذين ابتلعهم البحر، أو انتهى بهم المطاف في أوضاع إنسانية وقانونية مأساوية. إن التحقق من مصادر المعلومات، وعدم الانسياق وراء الدعاية المضللة، أصبح اليوم مسؤولية كل شاب.

وفي المقابل، فإن من الإنصاف الاعتراف بأن الدولة المغربية تواصل إطلاق أوراش إصلاح وتنمية في مجالات الاستثمار، والتكوين، والبنية التحتية، وتشجيع المبادرة والمقاولة، وخلق فرص جديدة للشباب. وقد لا تكون هذه الجهود كافية لتحقيق جميع الطموحات، ولا تعني أن التحديات قد انتهت، لكنها تؤكد وجود مسار للإصلاح والعمل يستوجب المساهمة فيه، لا الهروب منه.

إن نقد الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية حق مشروع، بل هو جزء من أي نقاش وطني مسؤول. أما تحويل الإحباط إلى دعوة للهجرة السرية، أو الترويج لفكرة أن الوطن لا يستحق أبناءه، فهو خطاب لا يخدم الشباب، ولا يقدم لهم حلولًا حقيقية، بل يدفعهم إلى مغامرات قد تكون نهايتها الغرق أو الاستغلال أو ضياع المستقبل.

إن المغرب بحاجة إلى شبابه، وشباب المغرب بحاجة إلى الإيمان بقدراتهم قبل الإيمان بوعود المهربين أو الدعاية الرقمية. فالأوطان لا تُبنى بالفرار، وإنما تُبنى بالعلم، والعمل، والابتكار، وروح المبادرة، والمشاركة في صناعة التغيير.

ولذلك، فإن رسالتنا إلى كل شاب مغربي واضحة: لا تجعل حلمك رهينة منشور مجهول، ولا تضع حياتك بين أيدي شبكات تتاجر في اليأس. مستقبلك لا يصنعه قارب مطاطي في عرض البحر، بل تصنعه إرادتك، وكفاءتك، وإيمانك بأن بناء الوطن هو الطريق الأكثر أمنًا وكرامة واستدامة.

إن البحر لا يمنح الأوطان مستقبلها… بل يمنحها أبناءً مفقودين. أما المستقبل الحقيقي، فيُكتب بسواعد الشباب فوق أرض الوطن، لا في أعماق الأمواج.