مراكش تحتضن الدورة الثلاثين للمؤتمر الوطني لطب القلب وتكرّم أحد روّاد الجراحة القلبية بالمغرب

جريدة أرض بلادي -شيماء الهوصي-

اختُتمت بمدينة مراكش أشغال الدورة الثلاثين للمؤتمر الوطني للجمعية المغربية لأمراض القلب، المنعقدة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بعد ثلاثة أيام علمية مكثفة احتضنها قصر المؤتمرات أيام 18 و19 و20 دجنبر، وذلك بالتزامن مع المؤتمر المغاربي لطب القلب. وقد شكّلت هذه الدورة الاحتفالية محطة بارزة أكدت النضج العلمي الذي بلغته طبّ القلب بالمغرب، وتعزّز حضورها المتزايد داخل الشبكات الطبية الدولية.

وجاء هذا الحدث العلمي الرفيع باعتباره منصة متقدمة لتبادل الخبرات وتقاسم المعارف، حيث عرف مشاركة وازنة لأطباء قلب من مختلف بلدان المغرب العربي، إلى جانب خبراء من الولايات المتحدة الأمريكية، والنرويج، وبلجيكا، وفرنسا، والكاميرون، وإيطاليا، وإسبانيا، والسنغال، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وسوريا، ولبنان، ما أضفى على أشغاله تنوعًا غنيًا في التجارب والمقاربات السريرية.

وفي هذا السياق، أكد الأستاذ محمد العلمي، رئيس الجمعية المغربية لأمراض القلب، أن الهدف الأساسي من المؤتمر تمثل في تعزيز الحوار العلمي البنّاء بين المختصين، وتحفيز الابتكار في مختلف مجالات طب القلب، سواء السريرية أو الدوائية أو العلاجية أو الاستكشافية أو التدخلية. وقد أجمع المشاركون على أن المؤتمر حقق هذه الأهداف بنجاح، بفضل العروض العلمية والتكنولوجية عالية المستوى، التي لا تقل جودة عمّا يُقدَّم في الدول الأكثر تقدّمًا في هذا المجال.

كما تميّزت هذه الدورة بانتخاب المكتب الجديد للجمعية المغربية لأمراض القلب، برئاسة الأستاذة حسناء بلغيثي، الطبيبة القلبية المعروفة، في خطوة تعكس روح الاستمرارية والتجديد التي تطبع عمل المؤسسة.

غير أن الحدث الأبرز في هذه الدورة الثلاثين تمثّل في التكريم الرسمي الذي خُصّ به الأستاذ وجيه مزوزي، خلال محاضرة استثنائية احتضنها المدرج الكبير للوزراء، بحضور يقارب ألف مشارك، حيث قوبل مساره المهني والإنساني بتصفيق حار ووقوف إجلالًا لعطاءاته المتميزة.

ويُعدّ الأستاذ وجيه مزوزي من أبرز الأسماء التي طبعت تاريخ طب وجراحة القلب بالمغرب، إذ يُصنَّف ضمن الروّاد على المستويين العربي والإفريقي، وكان من أوائل الجراحين الذين رفعوا راية المغرب عاليًا في المحافل الطبية الدولية بفضل إنجازاته الجراحية وابتكاراته العلمية.

وقد شغل الراحل المحتفى به مناصب استراتيجية عديدة، من بينها مدير المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط، ومستشار سابق لوزير الصحة، ورئيس لجنة التأهيل التقني في جراحة القلب والشرايين، ورئيس سابق للجمعية المغربية لجراحة القلب والشرايين. كما عزز مساره الأكاديمي بتكوينات عالية المستوى في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ما أكسبه إشعاعًا علميًا تجاوز الحدود الوطنية.

وعلى المستوى العلمي والجراحي، ارتبط اسم الأستاذ مزوزي بمحطات رائدة، من أبرزها الإشراف على أول عملية لزرع القلب بالمغرب سنة 1995، وإنجاز أولى عمليات القلب المفتوح بواسطة الجراحة المصغّرة المساعدة بالفيديو، وتطوير أجهزة مبتكرة لتقويم صمامات القلب، والمساهمة الفعالة في مشروع القلب الاصطناعي المغربي (OCPAV1)، فضلًا عن قيادته لأول عملية تقويم عضلة القلب الديناميكية في إفريقيا.

إلى جانب ذلك، ترك الأستاذ وجيه مزوزي بصمة واضحة في مجال التأليف العلمي، إذ ساهم في إنجاز عدد مهم من الكتب والأبحاث الطبية، ونال عدة جوائز وطنية ودولية، كما كرّس جزءًا كبيرًا من مسيرته للتدريس والتكوين، حيث أشرف على عشرات أطروحات الدكتوراه وأسهم في تكوين أجيال متعاقبة من أطباء وجراحي القلب بالمغرب.

وخلال كلمته بالمناسبة، شدّد الأستاذ مزوزي على الدور الاستراتيجي الذي يتعيّن على الجمعية المغربية لأمراض القلب الاضطلاع به، ليس فقط على الصعيد الوطني، بل أيضًا كقوة اقتراحية داخل الجمعية الإفريقية لطب القلب، داعيًا إلى تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وصياغة رؤية طموحة لتطوير طب القلب في القارة الإفريقية.

وبهذا التكريم، احتفت الدورة الثلاثون للمؤتمر الوطني لطب القلب بمسار حافل بالتميّز والعطاء، جسّد قيم الاجتهاد والالتزام وخدمة الوطن، وجعل من الأستاذ وجيه مزوزي أحد أبرز الرموز الخالدة في تاريخ طب وجراحة القلب بالمملكة المغربية.