مكتبة الوسائديّة بوادي زم… من خزانة بلدية إلى منارة تُزهر فيها المعرفة ويحتفل تحت سقفها الإبداع

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

تشهد مدينة وادي زم نهضة ثقافية لافتة تُعيد الاعتبار لقيمة المعرفة ودور الكتاب في بناء الإنسان، وذلك بعد تحويل “خزانة البلدية” إلى مكتبة “الوسائديّة” بحلّة حديثة جعلت منها صرحاً معرفياً نابضاً بالحياة. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير اسمٍ أو فضاء، بل إعلاناً عن رؤية جديدة تُعانق المستقبل وتحتفي بالمبدعين والباحثين وروّاد القراءة.

جرى افتتاح المكتبة وسط حضور وازن لمسؤولين محليين ورؤساء جمعيات المجتمع المدني وممثلي الهلال الأحمر المغربي وشخصيات فاعلة في الميدان الثقافي، تزامناً مع احتفالات وطنية كبرى كالعيد الوطني وعيد الاستقلال المجيد وذكرى المسيرة الخضراء وعيد الوحدة. هذا التزامن منح الافتتاح روحاً احتفالية تُجسد ارتباط الثقافة بالهوية الوطنية وبذاكرة مدينة وادي زم.

وخلال هذا الحدث، أُعلن عن انطلاق النسخة الأولى من فعالية “المهارة للكتاب” التي اختير لها شعار:

“الكتاب روح الأمة والمواطنة… والثقافة نبض الوعي”،

وهي مبادرة تهدف إلى تعزيز الحراك الثقافي المحلي، ودعم الإبداع الشبابي، وتوسيع الفضاءات المعرفية المتاحة للجمهور. النسخة الأولى وُصفت بأنها “إعصار ذهني” جمع ثروات الإبداع الوادزمي: مؤلفات شعرية وروائية وقصصية على اليمين، أمسيات فنية وعروض أدائية على اليسار، ومعرض تشكيلي غني في الوسط، ضمّ لوحاتٍ وصوراً استُعين في بعضها بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما حضرت التكنولوجيا عبر أفلام ووثائقيات وأعمال موسيقية عززت الطابع المعرفي لهذه الفعالية.

ولم تتوقف إشراقة المشهد الثقافي عند الافتتاح، إذ احتضنت المكتبة الوسائطية بالبحيرة أمسيةً استثنائية يوم الجمعة 28 نونبر، نظمتها جمعية منتدى البحيرة للكتاب بشراكة مع المجلس الجماعي، لتكون امتداداً لهذا الحراك المتجدد. الأمسية تحوّلت إلى احتفالٍ فني متكامل، تداخلت خلاله القصيدة مع الموسيقى والفن التشكيلي في لوحة واحدة.

اعتلى الشعراء أبو السعد وسعيد محتال وعبد العزيز برعود منصة الاحتفاء، فحلّقوا بنصوصهم بين الحضور، بينما أمتعت الفنانة صباح المرنان الجمهور بصوتٍ دافئ حمل رقي الأداء وعمق الإحساس. وقد رافق الأمسية معرضٌ تشكيلي ضمّ أعمالاً تنبض بالألوان والرؤى الفنية، شكّل فسحة بصرية تُكمّل جمال الكلمة.

وكان للفكر نصيبه من هذه الليلة، حيث قدم الدكتور أمين السعيد، أستاذ العلوم القانونية بفاس، مداخلة حول دور المكتبات في نشر المعرفة وترسيخ ثقافة القراءة، مؤكداً أنها مؤسسات تُصقل الذوق العام وتصنع وعي الأجيال. كما حضر اللقاء رئيس المجلس الجماعي وفعاليات جمعوية وأكاديمية، فيما تولّى الأستاذ عز الدين جبار التنشيط، واختُتمت الفقرات بإيقاعات أصيلة لفرقة عبيدات الرمى التي منحت الأمسية سحراً شعبياً مميزاً.

هكذا، تكتب وادي زم فصلاً جديداً في مسارها الثقافي… فصلٌ تتجاور فيه الكتب والفنون والأفكار تحت سقف مكتبة واحدة، وتؤكد من خلاله أن الإبداع ليس مجرد فعلٍ جمالي، بل قوة تُعيد بناء الوعي وتصنع الأمل في مدينة تتطلع إلى غدٍ أكثر إشراقاً.