الناظورية هدى الشرادي تكشف لأرض بلادي سرّ تميزها بين التدريس وخدمة المرأة المسلمة في جزر الكناري بإسبانيا

أرض بلادي -برنامج شخصيات

 

تقدّم جريدة أرض بلادي برنامجًا للسيرة الذاتية تحت عنوان “شخصيات…”، يُعدّه ويقدّمه الأستاذ عزيز بنعبد السلام. يسلّط هذا البرنامج الضوء على شخصيات تركت بصمات واضحة في تنمية المجتمع، وقدّمت خدمات جليلة للجالية المغربية في الخارج وفي العمل الجمعوي. في هذه الحلقة نسلّط الضوء على شخصية نسائية مغربية وُلدت في مدينة مليلية المحتلة، استطاعت الجمع بين مسارها الدراسي الطويل وتجربتها المهنية الناجحة، لتخوض مسارًا جديدًا في العمل الجمعوي والتربية والتعليم. إنها الأستاذة هدى الشرادي، رئيسة جمعية النساء المسلمات “التقوى” بكران كناريا الاسبانية.

جريدة أرض بلادي :

بدايةً، نودّ أن تقدمي للقراء نبذة تعريفية عن حياتك الشخصية: تاريخ ازديادك، مكان النشأة، والمسار الذي قادك من مليلية إلى الاستقرار في كران كناريا.

 

 هدى الشرادي: أشكركم على تواصلكم واهتمامكم. وُلدتُ في مدينة مليلية، ودرست المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدينة العروي، بينما أكملتُ دراستي الثانوية في ثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور. نشأت في أسرة محافظة، وكان لأفرادها أثر بالغ في شخصيتي. فقد تأثرت بجدي لوالدتي، رحمه الله، الذي كان عصامياً محباً للقراءة، يجالس الكتب ويجعل منها رفاقاً. ما إن بدأت أتعلم القراءة حتى كان يشجعني ويدفعني نحو عالم الكتب، فارتبط قلبي بقصص الأنبياء والفلسفة وكل ما يتعلق بالفكر.

أما والدي، رحمه الله، فكان مثالاً للخلق الكريم وحب الخير. ومنذ طفولتي كنت أحاول فهم بعض الأحكام المرتبطة بالمرأة، خاصة فقه النساء، فوجدت تناقضات بين ما ورد في بعض كتب السلف وما جاء في القرآن الكريم، الأمر الذي دفعني إلى البحث والتساؤل مبكراً.

واجهت صعوبات كثيرة عند الحديث عن قضايا المرأة، لكنني وجدت تفهماً وتشجيعاً من أستاذة اللغة العربية في الإعدادي، التي أهدتني نسخة من بحثها الجامعي حول “وضعية المرأة في الإسلام”. في تلك المرحلة كنت شغوفة ونشيطة، أشارك في المسرح والأنشطة المدرسية، خاصة تلك المتعلقة بذكرى المسيرة الخضراء وعيد العرش. كنت متفوقة خصوصاً في اللغة العربية، وأكتب القصص وأرسل بعضها للإذاعة. كما شاركت في مباراة  العدو الريفي وحصلت على ميدالية المرتبة الأولى.

عندما كنت في الإعدادية رُفضت محاولات تزويجي، فقد كان طموحي أكبر بكثير. وبعد عودة أسرتي إلى مليلية فضّلتُ البقاء لمتابعة دراستي. وبعد انتهاء الإعدادي أراد أهلي عودتي إلى مليلية، لكن المدينة لم تكن تتوفر حينها على ثانوية، فيما كان حلمي يكبر كل يوم. أقنعتهم بأنني قادرة على التنقل يومياً إلى الناظور، فوافق أخي الأكبر بشرط إقامتي في الداخلية. لكن الداخلية قيّدت وقتي وميولي للكتابة، فقررت التنقل بين مليلية والعروي والناظور.

بعد حصولي على البكالوريا اخترت متابعة دراستي الجامعية. كنت أميل إلى شعبة الأدب الإنجليزي مثل أخي، الحاصل على دكتوراه في المجال، لكن حبي للفلسفة كان أكبر. وبما أن جامعة وجدة لم تكن تتوفر على شعبة الفلسفة، اخترت الالتحاق بكلية الحقوق باللغة الفرنسية. وهناك تعرّفت على رفيق حياتي وزميلي في الدراسة، زوجي لاحقاً.

في سنتي الجامعية الأخيرة سمعنا عن بعثة تكوينية للطلبة إلى مدينة كاستيون الإسبانية، فسجّلنا فيها، وبعد الزفاف شاركنا في الدورة. بعدها قررنا قضاء شهر العسل في جزر الكناري، لنستقر فيها لاحقاً إلى يومنا هذا.

جريدة أرض بلادي :كيف أثرت أصولك القادمة من مدينة الناظور في رؤيتك الثقافية والجمعوية، خصوصاً وأنت تعيشين في مجتمع أوروبي متعدد الهويات؟

 

 هدى الشرادي: بحكم أصولي الناظورية وتنوع اللهجات داخل أسرتي – التي تكاد تختزل أطياف المجتمع المغربي – كان اندماجي في المجتمع المغربي بكناريا سهلاً، كما ساعدتني نشأتي في مليلية على فهم الذهنية الغربية والتعامل معها. أغلب الجالية في بلايا إنغليس تنحدر من إقليم الناظور، وهي جالية محافظة ومتمسكة بعاداتها، رغم أن كثيرين لا يملكون تعليماً كافياً، خاصة النساء. لكنهم تجار ماهرون، كرماء، ونساءهم عاملات نشيطات وقويات.

حاولت أن أكون جسراً للتواصل داخل هذا التنوع، وأن أقدم الثقافة المغربية بأسلوب راقٍ يليق بها أمام المجتمع المحلي. ومع مرور الوقت استطعنا إحداث بصمة واضحة في بيئة متعددة الجنسيات.

 

جريدة أرض بلادي : تشتغلين في مجال التعليم الابتدائي والإعدادي، إلى جانب عملك التطوعي في محو الأمية بمسجد التوبة. كيف تنسجم هذه المهام المختلفة في حياتك اليومية؟

هدى الشرادي: رغبتي في التواصل والبحث عن الاستقرار النفسي بعيداً عن الأهل دفعتني إلى اختيار التعليم، رغم العروض المغرية للعمل في السياحة. كان التعليم الأقرب إلى قلبي، حيث سمح لي بمرافقة أبنائي أكثر، وتعليمهم إلى جانب التلاميذ. هذا شجع بعض النساء على طلبي للتدريس، خاصة بعدما رأين أبناءهن يتعلمون سوراً من القرآن أكثر منهن. كثيرات جئن إلي بحرج، يبكين أحياناً لأنهن لم يحظين بالتعلم، فقررت أن أعمل معهن تطوعاً.

لن أنسَ دموع تلميذتي من فئة الكبار في حفلة نهاية الموسم الدراسي حيث شغلت نشيد “مدرستي حان الرحيل وآن أن نفترقا”. قالت: “لي هذا النشيد أعاد إلى ذهني الأيام الأولى لي في الفصل قسم التحضيري، حيث لم أكمل انقطعت عن الدراسة، كانت المدرسة بعيدة ووالدي خشي أن يصيبني مكروه”.

كان سماع صوتي وأنا أشرح القرآن داخل المسجد أمراً جديداً ومزعجاً لبعض الذكور، لكنني لم ألتفت للتعليقات. نظّمت حفلات، ورحلات، وأمسيات، إلى أن اقترحت لجنة المسجد تأسيس جمعية التقوى. تخوّفت في البداية من المسؤولية، خصوصاً في ظل انتشار خطابات متطرفة آنذاك، لكن هدفي كان واضحاً: إبراز صورة الإسلام الحقيقية كدين سلام وعدل وتكريم للمرأة.

جريدة أرض بلادي :نودّ أن نعرف أكثر عن بداياتك مع العمل الجمعوي: كيف كانت فكرة تأسيس أو ترؤس جمعية النساء المسلمات “التقوى” بكران كناريا؟ وما هي أبرز الأهداف التي تقوم عليها الجمعية؟

هدى الشرادي:ركزنا منذ التأسيس على المشاركة في الأنشطة المحلية، وإظهار الثقافة المغربية بروح منفتحة دون التنازل عن الهوية. سعيت إلى بناء حوار مباشر مع المجتمع المضيف، ليعرفونا كما نحن، بعيداً عن الصورة التي تنقلها بعض وسائل الإعلام.

 

جريدة أرض بلادي : ما أبرز التحديات التي تواجه النساء المسلمات المهاجرات في جزر الكناري؟ وكيف تتعاملون كجمعية مع هذه التحديات على مستوى التأطير والدعم؟

هدى الشرادي: تعاني المرأة المهاجرة من عوائق كثيرة: اللغة، صعوبة الاندماج، الحنين، اختلاف الأعياد والطقوس، وتحديات تربية الأبناء داخل مجتمع منفتح. لذلك كنت أركز على القيم والأخلاق كقاعدة تربوية، مع الحرص على احترام ثقافة البلد المضيف.

جريدة أرض بلادي :من خلال تجربتك الطويلة في التعليم، كيف ترين تطور وضعية أبناء الجالية المغربية في المنظومة التعليمية الإسبانية؟ وهل تختلف احتياجاتهم التربوية عن باقي الأطفال؟

 هدى الشرادي:لم أذكر شيئاً مختلفاً بالنسبة لاحتياجات الأطفال مقارنة بالآخرين، لكن ما أركز عليه هو دعمهم الأخلاقي والروحي، ومرافقتهم في تعلم اللغة والثقافة الإسبانية مع المحافظة على هويتهم المغربية.

 

جريدة أرض بلادي :ما نوع الأنشطة التي تقدمونها داخل جمعية “التقوى”؟ وهل لديكم برامج خاصة بالمرأة، الأسرة، أو الأطفال؟

 هدى الشرادي: عملنا على خلق أجواء تضامنية بين النساء: إفطارات جماعية، أمسيات رمضانية، ورحلات، مما ساعدهن على تخفيف ثقل الغربة وتكوين روابط أخوية.

جريدة أرض بلادي :تشرفين على محو الأمية في مسجد التوبة. ما الذي دفعك إلى خوض هذا النوع من العمل التطوعي؟ وكيف تقيمين أثره داخل المجتمع المحلي؟

 هدى الشرادي:كثير من النساء جئن إلي بحرج، يبكين أحياناً لأنهن لم يحظين بالتعلم، فقررت أن أعمل معهن تطوعاً. هذا العمل ساهم في تعزيز الثقة بالنفس، وأدى إلى اندماج أكبر للنساء داخل المجتمع المحلي.

 

جريدة أرض بلادي :كيف ترين دور المرأة المغربية في المهجر، وخاصة في إقليم لاس بالماس؟ وهل تعتقدين أن حضورها الجمعوي أصبح أقوى مما كان عليه قبل سنوات؟

 

 هدى الشرادي: مع الوقت أصبحت المرأة المغربية في كناريا قوة عاملة مهمة، وحضورها داخل جمعية التقوى لفت أنظار السلطات. نجحنا باستضافة شخصيات نسائية بارزة على المستوى المحلي والوطني، ما زاد من ثقتنا وقوة العمل.

 

جريدة أرض بلادي : باعتبارك تعيشين في بلايا إنغليس، وهي منطقة معروفة بتنوعها الثقافي، كيف تتعاملون مع مسألة الاندماج دون التفريط في الهوية الدينية والثقافية؟

 هدى الشرادي: ركزنا على المشاركة في الأنشطة المحلية، وإظهار الثقافة المغربية بروح منفتحة دون التنازل عن الهوية. سعيت إلى بناء حوار مباشر مع المجتمع المضيف، ليعرفونا كما نحن، بعيداً عن الصورة التي تنقلها بعض وسائل الإعلام.

جريدة أرض بلادي : ما أهم الإنجازات التي تفخرين بها منذ توليك رئاسة جمعية النساء المسلمات “التقوى”؟

 

 هدى الشرادي: واجهت انتقادات ومحاولات تعجيز، بل حتى تعليقات تحط من قيمة المرأة. إحدى المسؤولات قالت مرة: “مكان المرأة في المطبخ”. فأجبتها بابتسامة: “وأنا أحسن غسل القلوب ومسح الدموع، قبل غسل الأواني. ثم إن أفضل الطهاة في المغرب رجال!”

انا جد ممتنة وأفتخر لما حققته جمعيتنا أن يعبر صوتنا الحدود، إلى دول أوروبية، ونحن اليوم في حوار مع أرض بلادي هذا فخر كبير، أفتخر أن استطعت أن أبلغ ولو آية عن ديننا الحنيف، أفتخر أنني كنت سفيرة للمرأة المسلمة والمغربية قدمتها في أبهى صورة.

جريدة أرض بلادي:هل هناك مشاريع مستقبلية تعملون على إطلاقها قريباً، سواء داخل الجمعية أو في إطار شراكات مع مؤسسات محلية أو مغربية؟

 

 هدى الشرادي:لدينا مشاريع كثيرة: استضافة الدكتورة أسماء المرابط، تنظيم ملتقى ثقافي يُبرز تنوع الثقافة المغربية، عقد شراكات مع جمعيات محلية ومغربية، وتنظيم رحلات نحو جنوب المغرب.

جريدة أرض بلادي : بما أنك من أصول ناظورية، هل ما زال هناك تواصل دائم مع الوطن الأم؟ وهل تفكرين في تنفيذ مبادرات مشتركة بين الجالية في الكناري والمجتمع المدني في الناظور؟

 هدى الشرادي: الحنين للناظور لم يفارقني، فسعيت للتعاون مع جمعيات تُعنى بالأيتام، وسبق أن أرسلنا مساعدات، وأطمح لاستئناف هذا العمل.

جريدة أرض بلادي : ما رسالتك للنساء المغربيات المقيمات في الخارج، خاصة اللواتي يرغبن في خوض تجربة العمل الجمعوي أو التطوعي؟

 هدى الشرادي: العمل داخل الجمعية يتطلب صبراً وإصراراً ونفساً طويلاً. لم أتلق يوماً دعماً مادياً، وكل من شاركت في محاضراتنا كانت تفعل ذلك تطوعاً. ورغم الانتقادات، يبقى الفشل مجرد درس، والنجاح ثمرة صبر.

جريدة أرض بلادي : باعتبارك أمًّا، كم عدد أبنائك؟ وكيف تنجحين في التوفيق بين تربيتهم وبين مسؤولياتك المهنية ودورك داخل جمعية النساء المسلمات ’التقوى‘ بكران كناريا؟

 هدى الشرادي: أما أبنائي الثلاثة، فهم زينتي وفخري. درستهم كما درست غيرهم، وحاولت التوفيق بين دوري كأم ومربية. ومع بداية المراهقة، تزامن ظهور جائحة كورونا، فكانت فرصة لنبقى قريبين من بعض، ونبني الثقة من جديد. وها هم اليوم يشقون طريقهم: أحدهم في الإعلام، الثاني في دورة تكوينية، والابنة في سنتها الثانية بكلية الهندسة.

 

جريدة أرض بلادي : وفي الختام، ماذا تقول الأستاذة هدى الشرادي لقرّاء جريدة أرض بلادي؟

 هدى الشرادي: إن اهتمامكم بالجالية هو جسر نحو المعرفة، ورابط إنساني بين من في الداخل والخارج. قراءة “أرض بلادي” مرآة تعكس نبض المغاربة حول العالم، وقد تمنح القارئ إلهاماً ليبدأ تجربة جديدة، أو تعيد بناء أمل كان يظنه مستحيلاً. تسليط الضوء على الجالية هو دعوة للإبداع، والعمل، والمثابرة.