الدكتور رشيد مقتدر وسوسيولوجيا الانزياح الإيكو-مناخي بجامعة الحسن الثاني عين الشق بالدار البيضاء

جريدة أرض بلادي – بقلم :حَبيل رشيد.

في سياق أكاديمي متصاعد باتت فيه القضايا البيئية تحتل صدارة النقاش العمومي والدولي، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أشغال ندوة دولية وازنة حول موضوع “البيئة والتغيرات المناخية”، وذلك ضمن فعاليات الأسبوع الجامعي للبيئة، وسط حضور أكاديمي وبحثي يعكس تنامي الانشغال الجماعي بالتحولات المناخية واختلالات المنظومة الإيكولوجية العالمية.

 

الندوة التي نظمتها شعبة القانون العام ومختبر القانون العام والعلوم السياسية، بتعاون مع فريق البحث “حقوق الإنسان، الحياة السياسية والدراسات الدولية”، جاءت باعتبارها منصة علمية لتشريح الأعطاب البيئية المتفاقمة، واستقراء رهانات الانتقال الإيكولوجي، واستحضار الأبعاد القانونية والمؤسساتية المرتبطة بالحكامة المناخية، حيث إن العالم يعيش اليوم على وقع ارتجاجات بيئية غير مسبوقة، تتداخل فيها أزمة الماء، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، والانبعاثات الكربونية، وتآكل التنوع البيولوجي، إضافة إلى التحولات الجيو-مناخية التي باتت تعيد رسم خرائط الأمن الغذائي والطاقي عبر العالم.

 

وقد برز اسم الدكتور رشيد مقتدر، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، باعتباره منسقًا ومحورًا علميًا للجلسة العلمية الأولى المنظمة يوم الجمعة 15 ماي 2026، من التاسعة صباحًا إلى الثانية عشرة والنصف زوالًا، ، حيث أدار النقاشات الأكاديمية بروح علمية دقيقة، وبمقاربة تجمع بين التحليل القانوني والاستشراف البيئي، في محاولة لتأطير النقاش ضمن أفق معرفي يتجاوز المقاربات التقليدية الجامدة.

 

ولا شك أن اختيار موضوع “البيئة والتغيرات المناخية” يعكس وعيًا أكاديميًا متقدمًا بطبيعة المرحلة الراهنة، إذ إن القضايا البيئية لم تعد شأنًا تقنيًا معزولًا عن الحقول الأخرى، وإنما أضحت قضية سيادية واستراتيجية ترتبط بالأمن المائي، والاستقرار الاجتماعي، والسياسات العمومية، والعدالة المجالية، والتنمية المستدامة… وبالتالي، فإن الجامعة المغربية تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية تاريخية في إنتاج معرفة نقدية قادرة على ملامسة الاختلالات المناخية المتسارعة، وتفكيك أنماط الاستنزاف البيئي التي تهدد التوازنات الطبيعية والإنسانية معًا.

 

وقد تميزت هذه الندوة الدولية بحضور باحثين وأساتذة متخصصين في القانون البيئي والسياسات المناخية والحوكمة الترابية، حيث انصبت المداخلات حول إشكالات الانبعاثات الحرارية، والانتقال الطاقي، والاقتصاد الأخضر، والتشريعات البيئية، والعدالة المناخية، فضلًا عن إكراهات تنزيل الالتزامات الدولية المرتبطة بالاتفاقيات المناخية الكبرى، وفي مقدمتها اتفاق باريس للمناخ، الذي بات يشكل مرجعية كونية في تدبير التحولات الإيكولوجية المعاصرة.

 

ومن الثابت أن الجامعة المغربية بدأت تدريجيًا في الانفتاح على ما يسمى بـ”الدبلوماسية المناخية الأكاديمية”، عبر تنظيم ندوات ومنتديات علمية تستحضر رهانات البيئة من منظور متعدد التخصصات، حيث لم يعد الحديث عن التغيرات المناخية مجرد خطاب إنشائي أو تحذيرات عابرة، وإنما تحول إلى حقل معرفي مركب يستدعي مساهمة القانونيين، والاقتصاديين، وعلماء الاجتماع، والباحثين في السياسات العمومية، بالنظر إلى تعقيد الظاهرة وتشابك امتداداتها.

 

كما أن هذه المبادرة العلمية بعين الشق تعكس دينامية أكاديمية جديدة تسعى إلى إعادة الاعتبار للجامعة باعتبارها فضاءً للتفكير الاستراتيجي وصناعة الوعي المجتمعي، خصوصًا في ظل التحولات المناخية الحادة التي أصبحت تهدد المدن والقرى والأنظمة البيئية الهشة، وتفرض إعادة صياغة السياسات العمومية وفق منطق الاستدامة والنجاعة الإيكولوجية.

 

الدكتور رشيد مقتدر، الذي ترأس تنسيق الجلسة العلمية الأولى، بدا حريصًا على منح النقاش بعدًا علميًا رصينًا، من خلال توجيه المداخلات نحو مساءلة النموذج التنموي في علاقته بالتحولات المناخية، وكذا إبراز الحاجة إلى بلورة هندسة قانونية جديدة تراعي العدالة البيئية، وتحمي الأجيال القادمة من الانهيارات الإيكولوجية المحتملة… وهي مقاربة تعكس، دون ريب، إدراكًا عميقًا لطبيعة التحديات المناخية التي لم تعد مجرد سيناريوهات مستقبلية، وإنما وقائع يومية تتجلى في الجفاف، وندرة المياه، واختلال الفصول، والتطرف المناخي، وتفاقم الكوارث الطبيعية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن احتضان قاعة الندوات بمكتبة محمد السقاط لهذه التظاهرة العلمية يمنحها بعدًا رمزيًا ومعرفيًا، باعتبار الفضاء الجامعي أحد الحواضن الأساسية لإنتاج التفكير النقدي البيئي، وتأهيل أجيال جديدة من الباحثين القادرين على فهم التعقيدات المناخية بلغة القانون والعلوم السياسية والاقتصاد البيئي.

 

هكذا، تتحول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق إلى مختبر فكري مفتوح على قضايا العصر، حيث تتقاطع المعرفة القانونية مع رهانات البيئة، ويتجاور النقاش الأكاديمي مع أسئلة المصير الإنساني المشترك… في زمن أصبحت فيه الأرض نفسها تستغيث تحت وطأة الاحتباس الحراري، والاستنزاف الإيكولوجي، والتوحش الصناعي الذي يلتهم الغابات والمياه والهواء بصمت ثقيل.