جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

تطرح واقعة دخول النساء إلى الفضاء المخصص للرجال بمسجد “تركز” بكلميم، خلال حملة التبرع بالدم يوم أمس، إشكالية سوسيولوجية وتنظيمية مركبة؛ إذ تتقاطع فيها نبل المبادرة الإنسانية مع صرامة الضوابط الدينية والتقاليد المحلية المحافظة بالمنطقة.
1. المفارقة التنظيمية: نبل الهدف في مواجهة قصور اللوجستيك
المفارقة الأساسية هنا تكمن في تحول فضاء العبادة بشكل مؤقت إلى “مرفق صحي وتطوعي”.
غياب المسارات المنفصلة: الإشكال لم يكن في رغبة النساء في التبرع —وهي رغبة إيجابية تعكس منسوب وعي وتضامن عالٍ— بل في هندسة تدفق المستفيدين .
داخل المسجد. عدم تحديد مسارات معزولة ومستقلة للدخول والخروج لكل جنس أدى إلى التداخل البصري والمكاني.

الضغط اللوجستيكي: الطاقم الطبي والجهوي غالباً ما يركز على تجميع أكبر عدد من أكياس الدم لتغطية الخصاص، مما يجعل الجانب التنظيمي المتعلق بـ”حرمة وفصل الفضاءات” تالياً في الأهمية لديهم مقارنة بالهدف الطبي.
1. الحرج الاجتماعي والخصوصية المحلية بباب الصحراء
لمجتمع كلميم خصوصية وثقافة محافظة تنظر بقدسية شديدة لفضاءات المساجد وتحديداً “جناح الرجال”.
الحساسية الثقافية: اختراق الهوية البصرية والمكانية للجناح المخصص للرجال من طرف المصلين والمتطوعات خلق نوعاً من “الارتباك الاجتماعي” والحرج الآني أثناء أداء الصلوات أو الانتظار.
الخلط بين العبادة والعمل الإنساني: رغم أن الفقه الإسلامي يبيح استغلال المساجد للمصالح العامة كالعلاج والتضامن، إلا أن الوجدان الشعبي المحلي يجد صعوبة في تقبل “الخلط المكاني” في فضاء يرمز أصلاً للفصل والخشوع.
1. أزمة التنسيق بين الشركاء (المندوبية، المجلس العلمي، ومركز تحاقن الدم)
الواقعة تكشف بشكل مباشر عن ثغرة في “بروتوكول التنسيق المشترك” بين الجهات المنظمة:
المسؤولية التنظيمية: مندوبية الشؤون الإسلامية والقيمين الدينيين بمسجد “تركز” يتحملون الجزء الأكبر في تحديد “خريطة الفضاء” وتوجيه الأطقم الطبية مسبقاً حول الأماكن المتاحة والممنوعة.

غياب المؤطرين: بدا واضحاً غياب عناصر التوجيه (المتطوعين أو القيمين الدينيين) عند أبواب المسجد وممراته لتوجيه النساء نحو الجناح الخاص بهن أو الفضاءات الملحقة، وترك الأمر للاجتهاد الفردي للمتبرعات.
المقاربة البديلة: كيف يمكن تفادي هذا الارتباك مستقبلاً؟
لتجنب تكرار هذا الحرج الاجتماعي في الحملات القادمة بالمساجد، يتطلب الأمر الانتقال من “التنظيم العفوي” إلى “التدبير المهني” عبر الخطوات التالية:
الاعتماد على الملحقات وفضاءات محو الأمية: عوض استغلال قاعة الصلاة الرئيسية للرجال، يفضل توجيه الحملات الطبية إلى قاعات محو الأمية، المدارس القرآنية الملحقة، أو الساحات الخارجية للمساجد عبر خيام طبية مجهزة.

جدولة زمنية منفصلة: تخصيص الفترة الصباحية للنساء والفترة المسائية للرجال، أو العكس، مما يضمن فصلاً زمنياً يغني عن الفصل المكاني المعقد لوجستيكياً.
تفعيل دور “المرشدات” والمتطوعين: إشراك مرشدات المجلس العلمي المحلي في التنظيم الميداني لاستقبال النساء وتوجيههن، مما يرفع الحرج عن الأطقم الطبية ويحافظ على هدوء وحرمة المسجد.
