أزمة العدادات الذكية في العالم القروي: حينما تتحول التكنولوجيا إلى عبء على المواطنين

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في خطوة أثارت الكثير من الجدل بين ساكنة القرى والمناطق النائية، فرض اعتماد نظام العدادات الكهربائية الحديثة “4FILLES” المخصصة للدفع المسبق تحديات تقنية واجتماعية غير مسبوقة. هذا التحول الرقمي في تدبير استهلاك الطاقة، الذي يتطلب من المستخدمين تعبئة رصيدهم بأنفسهم، تحول بالنسبة للكثيرين إلى مصدر قلق دائم ومتاعب يومية تتجاوز في أبعادها مجرد انقطاع التيار.

وتواجه فئة واسعة من القاطنين في هذه المناطق صعوبات ملموسة في التعامل مع الآلية التقنية لهذه العدادات، حيث يتطلب شحن الرصيد إدخال رمز مكون من عشرين رقماً بدقة متناهية، وهو ما يشكل عائقاً أمام نسبة كبيرة من السكان الذين يعانون من الأمية أو ضعف الإلمام بالتعامل مع الأجهزة الدقيقة. وتتضاعف حدة الأزمة في غياب مؤشرات واضحة تتيح للمستهلك معرفة الرصيد المتبقي من الكيلوواط، مما يجعل مفاجأة انقطاع التيار الكهربائي أمراً وارداً في أي وقت.

وتبرز الخطورة بشكل خاص خلال عطلات نهاية الأسبوع، حيث يجد المستهلك نفسه عالقاً في مواجهة ظلام مفاجئ أو توقف للأجهزة الضرورية، خاصة تلك التي تتطلب استمرار التيار للحفاظ على سلامة المواد الحساسة، مثل الأدوية التي تحتاج إلى تبريد دائم. هذا الانقطاع لا يمثل فقط أزمة في توفر الإنارة، بل يتحول إلى معاناة مادية ومعنوية، إذ يضطر المواطنون لترك أشغالهم والبحث عن تقنيين محترفين من المدن المجاورة لحل أعطال تقنية قد لا تكون ناجمة عن سوء الاستعمال، بل عن تعقيدات النظام ذاته.

هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة استبدال العدادات القديمة التي كانت تتسم بالبساطة والاعتمادية بنظم حديثة تتطلب خبرة تقنية خاصة، دون مراعاة الخصوصية السوسيولوجية للمناطق القروية. فمن المفارقات التي يطرحها السكان، كيف يمكن تسليم أجهزة حساسة تتطلب معايير صيانة تقنية دقيقة لأشخاص لا يمتلكون الأدوات المعرفية للتعامل مع أعطابها، مما يجعلهم عرضة للاستغلال من قبل بعض المحترفين “غير المؤهلين” الذين يقتنصون الفرص لابتزاز المواطنين مادياً بدعوى إصلاح هذه العدادات.

إن هذا التباين بين متطلبات التحديث التقني وواقع المستخدمين في العالم القروي يستدعي مراجعة شاملة لطرق تدبير هذا الملف، لضمان أن تكون هذه العدادات وسيلة لتسهيل الولوج إلى الطاقة، لا عائقاً يهدد استقرار الأسر وسلامة احتياجاتها اليومية.