جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يدخل كثير من الشباب عالم السياسة وهم يحملون تصورات نبيلة، مؤمنين بأن خدمة الصالح العام تقوم على قيم النزاهة، والشفافية، والعدالة، وتكافؤ الفرص، وأن العمل الميداني الجاد هو الطريق الطبيعي لبناء الثقة وتحقيق التنمية. ويعتقدون أن الكفاءة، والالتزام، والقدرة على الإنصات للمواطنين هي المعايير التي تمنح الفاعل السياسي مكانته واحترامه.
غير أن الاحتكاك اليومي بالممارسة يكشف، في أحيان كثيرة، عن فجوة بين المبادئ المعلنة والواقع العملي. فبعض السلوكات والممارسات لا تخضع دائماً لمنطق الاستحقاق أو للمقتضيات القانونية كما ينبغي، بل تتحكم فيها أحياناً اعتبارات غير معلنة يصعب فهمها من خلال النصوص وحدها.
في البداية يسعى الفاعل الجديد إلى تفسير هذه التناقضات بعقلية إصلاحية، مقتنعاً بأن كل اختلال قابل للتصحيح. لكن مع تكرار المشاهد نفسها، قد يجد نفسه أمام خيارين: إما التمسك بقناعاته والعمل بصبر من أجل التغيير، وإما الانخراط في ثقافة التكيف مع الأمر الواقع. وهنا تظهر عبارات من قبيل: “هكذا تُدار الأمور” أو “هذا هو الواقع”، فتتحول تدريجياً من مجرد تفسيرات إلى قناعات قد تضعف روح المبادرة والإصلاح.
غير أن التكيف لا ينبغي أن يكون مرادفاً للاستسلام. فالمجتمعات التي تتطلع إلى التنمية تحتاج إلى فاعلين يؤمنون بأن الإصلاح عملية تراكمية، وأن التغيير يبدأ من احترام القانون، وتغليب المصلحة العامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعلاء قيمة الكفاءة والاستحقاق.
إن السياسة في جوهرها ليست مجالاً للبحث عن الامتيازات، بل فضاء لخدمة الإنسان وتحقيق التنمية. وكلما اقتربت الممارسة السياسية من القيم التي تأسست عليها، تعززت ثقة المواطن في المؤسسات، وأصبح العمل العام وسيلة لبناء المستقبل، لا مجرد آلية للتكيف مع واقع يحتاج إلى الإصلاح.
ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من ثقافة تبرير الاختلالات إلى ثقافة معالجتها، ومن الاكتفاء بالتكيف مع الواقع إلى المساهمة في تغييره. فالأمم لا تنهض بمن يتأقلمون مع الأعطاب، وإنما بمن يمتلكون الشجاعة والإرادة لتصحيحها، في إطار من المسؤولية والحوار والالتزام بالمصلحة العامة.
